هكذا تعثّر دون كيشوت

ربّما، لم يتمكّن العرب حتى يومنا هذا، من الإجماع على ترجمة قاطعة وحازمة لاسم رواية دي ثيربانتس، فتمّ التصالح على أكثر من تسمية دون أن يُطعن في صحة الأخرى؛ دون كيشوت، دون كيخوتي، دون كيخوته والعديد من التسميات الّتي اّخذت اللفظ مرجعًا للتسمية، ربّما.

ولا يمكن بأي شكل أن نسمي هذا خلافًا، فحتمية الخلاف هي النزاع، ولكن الأمر مضى بسَكينة تامة، ودون أيّة عواقب إقصائية للمترجمين، كما مضى الجميع على الرواية مضيّ الكرام الزاهدين عن سفاسف الأمور، فلم تلقَ الشعبية تلك التي وجدتها بين الشعوب الغربية طوال 400 عام خلت منذ نشرها لأول مرة، ولم تهاجم على حدّ سواء.

وللوهلة الأولى، يمكن أن تُعتبر هذه الحالة سلوكًا محموداً؛ نظراً لعدد النزالات اللامتناهية بين رواد الأدب المثقفين منهم والمستثقفين، حول إشكاليات الحداثة الأدبية والفكرية والفلسفية، وحتى الغنائية، ودوائر الحوار المفرغة التي لا تسمن ولا تغني من الشرخ الحاصل بين فئة تعتقد أن الأدب يجب أن يكون متعاطيًا مع المساق العام، وبين فئة تؤمن بضرورة أن يكون الأدب الحبل الذي ينتشل المساق العام من مصائبه ويسيّره وفق أهواء النُخب،وفقط النخب. إلّا أن هذا الصراع الفئوي؛ ساهم في إبقاء منتخبات المؤلفات خارجة عن النقاش السائد، الأمر الذي أبعدنا عن الخوض في لبّ الفكر والالتصاق بالقشور.

وما بين اتهام الفئة الثانية للأولى بالسفاقة والهبوط بالأدب لمصافي العوام؛ مما فتح المجال أمام من هبّ ودبّ ليمتطيه. وبين اتهامات الأولى للثانية بمكوثها في البرج العاجي وانسلاخها عن النسق. تُحبس في البرج نفسه فئة ثالثة، نأت بنفسها عن هذا النزال، كونها تُركّز على اللبّ ولا تلقي بالا للقشور، فئة دخلت في عزلة التجديد التي تأخذ انتاجيتها وقتًا ليس بهيّن، فأقصيت من المشهد عنوةً.

يقول إدوارد سعيد "إن مهمة المثقّف والمفكّر تتطلّب اليقظة والانتباه على الدوام، ورفض الانسياق وراء أنصاف الحقائق أو الأفكار الشائعة باستمرار. ومن شأن هذا أن يستلزم واقعية مطردة ثابتة، ويستلزم طاقة عقلانية فائقة، وكفاحاً معقداً للحفاظ على التوازن بين مشكلات الذات عند الفرد (في إحدى الكفتين) ومتطلبات النشر والإفصاح عن الرأي علناً (في الكفة الأخرى) وذلك هو الذي يجعل منه جهداً دائباً متواصلاً، لا يكتمل قط، ولا بد أن تعيبه عيوب".

هذا الموقف الذي تتخذه معظم وسائل الإعلام، يعود لآلية التعاطي مع القيمة الخبرية وفق قاعدة العرض والطلب، والتي تركّز على تداول المواضيع التي يُعلم مسبقا أنها تُلاقي رواجًا وجدلاً

وما يؤكد فكرة حتمية استطراد الجهود لدى "الفئة الثالثة" المعزولة، هو أنني حاولت جاهداً أن أقتطع ما اقتبسته أعلاه؛ لاستغلال ذات المساحة ربّما لاقتباس آخر أو تعقيب، وبعد عبث المحاولات، أيقنت جازمًا بأن الاقتباس أخذ من إدوارد سعيد ربما ساعة أو يوما ليختزله، بعد أن كان صفحة أو 10 صفحات.

وعليه، فإنّ المثقّف أو المفكّر (مع اختلاف وظيفة كلّ منهما)، إن اتخذ منحى شموليًا في التعامل مع القضايا النهضويّة أو التصحيحيّة، ولم يلجأ لمسار التعامل مع المسائل الطارئة واحدة واحدة، وبالإفصاح الذي يبقيه على صلة بالعامة، فإن ذلك سيعزله عن الـ"ترند" السائد – إن صحّت التسمية- ، ويجعله خامداً من ناحية التأثير على المجتمعات المحليّة، تاركًا الفئتين الأولى والثانية لتسيّد المشهد وهو ما يؤدي، ربّما، إلى تشتيت المجتمعات وتخريب وعيها، وأن هذه الآراء – وحدها – تمكّن المجتمعات في أحسن الأحوال، من الجلوس على حافة النهضة ومعرفة شكلها وحالتها، ولا تخولّها للانغماس فيها.

المعضلة الجمّة تتلخص في أن المجتمعات العربية الحديثة تفتقر للإيمان بالاستشراف، والنظر للغنيمة الأم، لا أطفالها، وهذا يوصلني للنقطة المحورية التي أخذت مني كل هذه المقدمة لأتمكن من تناولها دون تأنيب في الضمير، وهي تغييب المفكّر والمثقف الحقيقي عن المشهد، سواء أكان ذلك من المثقف نفسه للأسباب التي ذكرتها، أو بسبب غياب المنصّة التي تمكّنه من الوصول للعامة، وفي هذه الحالة لا يمكن لمواقع التواصل الاجتماعي أن تعالج القضية، بل هي سبب في المشكلة، لأن هذه المواقع تخضع لنظرية التأثير الانتقائي، الذي يستلزم خلق جسر ربط بين العامة والفئة الثالثة وتعريضها لها، بدلا من أن تُترك للفئات التي امتلكت شهرة لا تستحقها، وهنا يأتي دور وسائل الإعلام في اتخاذ مسؤولية بناء هذا الجسر، وأن تنأى بنفسها – أي وسائل الإعلام-، عن موقف عامل رفع الستائر في المسرح، الذي لا يملك حرية قرار رفع الستارة عن العرض ولا قرار إسدالها، ولا يتمكّن حتى من التصفيق او الاستهجان في الخاتمة.

هذا الموقف الذي تتخذه معظم وسائل الإعلام، يعود لآلية التعاطي مع القيمة الخبرية وفق قاعدة العرض والطلب، والتي تركّز على تداول المواضيع التي يُعلم مسبقا أنها تُلاقي رواجًا وجدلاً، وتتماشى مع فكر العامة واهتماماتهم؛ ذاتها التي أبقتهم على الحافة المطلّة على النهضة.

ومن هنا، بإمكاننا القول، إن وسائل الإعلام العربية جعلت النسق الاجتماعي حارس البوابة الأوحد، لغايات توسيع قاعدة القراء وما يترتب عليه من منافع اقتصادية دون النظر لمغبتها الأخلاقية والثقافية، بل تعدّت إلى ابتداع أحداث تساهم في إرضاء رغبات العامة، عبر التنصّت على الأكاذيب الدارجة، تنتشلها، تنفث غبارها، وتعيد تجميلها بقالب يوحي بالمهنيّة، من ثمّ تعرضها للقارئ كوجبة جديدة، لتشعره بأن ما كان يروّجه من خيالات قد ثبت حقيقته، فتتوطد علاقته بالوسيلة الإعلامية التي ربتت على كتفه في الوقت الذي تنكّر الجميع منه.

ففي هذا المحيط لا أحد معنيّ بقلب المعلومة، أيّة معلومة، وتفحّص بلد المنشأ.. الكل يريد أن يسمع ما يحب سماعه، لا ما يجب عليه سماعه.

وسائل الإعلام يجب أن لا تتردد في عرض أية آراء أو حقائق، دون النظر لحجم الهزّة التي ستحدثها في معتقدات العامة، فرحلة مخاض النهضة، يتخللها الكثير من الألم، وولادة جديدة

وتعرضت دراسة منشورة في مجلة " "Journal of Personality and Social Psychology عام 1998 لهذا الجانب ، عبر إحدى التجارب التي أجريت على مجموعة من الأشخاص، أظهرت أن أغلبية العوام يخافون من الواقع الذي لا يعجبهم ولا يتفق مع أهوائهم، فلا يمكن أن يشككوا في أي معلومات تتفق مع أهوائهم حتى لو كانت خاطئة مئة بالمئة، بمقابل ذلك، فإنهم يشككون في مصداقية أي معلومات تتعارض مع اهوائهم أو تشعرهم بأنهم معرضين للخطر، حتى لو كانت تلك المعلومات مدّعمة بأدلة وحقائق تؤكدها.

نحن بحاجة لوسائل إعلام تربط الفئات الثلاث، وتكونَ ذات توسعيّة جماهيريّة، وتصطبغ بثقة العوام. تَعمد على صدم الجماهير بالحقائق، وبالوقت ذاته تفنّد المعتقدات السائدة بأسلوب سلس؛ عبر شخصيات عامة متقبّلة، تمسك بيد الفئات الثلاث وتسمح لها بالانغماس في قالب تشاركي مع المجتمع، وتُمكّنها من طرح آرائها مهما كانت صادمة ومنفرّة. إذ يمكننا الاستشهاد بالعديد من التجارب النهضوية ابتداءً من الثورة الفرنسية وتفنيدها للمسار الفكري السائد، إلى جهود مالكوم اكس ومارتن لوثر كنغ، وليس انتهاءً بثورات الربيع العربي التي ساهمت ولو بشكل محدود في هدم كثير من المعتقدات التي كانت سائدة، فضلا عن تمكنّها من ردم جزء من الهوّة بين الفئات المثقفة والعوام، ودمجهم في همّ تشاركي، أو على الأقل محاولة ذلك.

وسائل الإعلام يجب أن لا تتردد في عرض أية آراء أو حقائق، دون النظر لحجم الهزّة التي ستحدثها في معتقدات العامة، فرحلة مخاض النهضة، يتخللها الكثير من الألم، وولادة جديدة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

توفي الأديب الفرنسي ميشال بيتور -آخر كتّاب الرواية الجديدة- في مستشفى شرقي فرنسا، عن عمر بلغ التاسع والثمانين عاما. وأشاد الرئيس فرانسوا هولاند ووزيرة الثقافة بالأديب الراحل.

كثيرا ما يطرح سؤال يتعلق بسلطة المثقف هل هي موجودة، ثم ما هي عناصر هذه السلطة؟ وما العلاقة بين سلطة المثقف والأيديولوجيا والقمع؟ وكيف يمكن التعبير عن جدلية الثقافة والوعي؟

توفيت المخرجة السينمائية التونسية كلثوم برناز (71 عاما) متأثرة بإصابتها في انفجار أسطوانة غاز قبل يومين. ونعت وزارة الثقافة المخرجة الراحلة، وقالت إن أعمالها تضرب بجذورها "في الهوية والثقافة التونسية".

الأكثر قراءة