من هو عدونا الأول.. إيران أم إسرائيل؟

أتذكر ذات ربيع بغدادي حمل نفحات الصيف مبكرا، وكما في كل نيسان من كل عام يتحول العراق إلى قاعة احتفالات كبرى ابتهاجا بميلاد الرئيس الراحل صدام حسين، وكعادته في مثل هذه المناسبة يجتمع العشرات من أطفال مدارس بغداد وغيرها للاحتفال بهذه المناسبة.
 

وغالبا ما كانت هذه الفعالية تحديدا تسجل وتبث لاحقا على التلفزيون الرسمي، وذات مساء يسأل صدام حسين طفلة صغيرة: "منو هو عدونا؟"، وقتها كانت الحرب مع إيران قائمة، فقالت له الصغيرة إنها إيران، فيضحك ثم يصحح لها: "ليست إيران. إنها إسرائيل، مشكلتنا مع إيران مشكلة حدود وتحل".

بعد أن ولغت إيران في دمائنا بكل هذا الصلف والغطرسة، من حقنا أن نطرح هذا التساؤل مرة أخرى: من هو عدونا إيران أم إسرائيل؟

وقتها كان العراق يخوض حربا ضروسا ضد إيران، وكان من المنطقي أن تكون إيران هي العدو، غير أن صدام حسين كان له رأي آخر، رأي ربما نحتاج إلى أن نعيد ذكره الآن ونحتاج إلى أن نسأل مرة أخرى، من هو عدونا، أهو إيران أم إسرائيل؟ أو ربما كلاهما.

في ثمانينيات القرن الماضي كان العراق لديه مشكلة مع إيران، ولم يكن من المنطقي طرح هذا التساؤل، خاصة أن دولا عربية مثل سوريا وليبيا وقفتا بكل ما تملكان إلى جانب نظام إيران، ناهيك عن جماعات وقوى وأحزاب عربية وإسلامية ناصرت إيران، وربما أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، جماعة الإخوان المسلمين.

ولكن الآن وبعد أن ولغت إيران في دمائنا بكل هذا الصلف والغطرسة، من حقنا أن نطرح هذا التساؤل مرة أخرى: من هو عدونا، إيران أم إسرائيل؟

لم تكن إيران بالنسبة للكثير من العرب والمسلمين عدوا، بل إن الكثير من القوى والجماعات والدول كانت ترى في إيران سندا لها بمواجهة أي تهديدات، متناسين بقصد أو من دون قصد أن إيران رفعت شعارات توسعية وعدائية ضد العراق عقب نجاح ثورة الخميني عام 1979 وأعلن الخميني وقتها أن طريق تحرير القدس يمر عبر كربلاء، وهو ما استعاده حسن نصر الله بعد عقود عندما قال إن طريق تحرير القدس يمر عبر الزبداني وحلب.
 

ولكن الحال تغير، وباتت إيران اليوم عدوة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، فلقد تدخلت في العراق عقب غزوه عام 2003، بل ساعدت في هذا الغزو، وبات سلاحها يفتك بالعراقيين بطرق شتى وتحت مسميات مختلفة، ناهيك عما ترشح به تقارير الفساد التي يشير بعضها إلى أن إيران تستنزف ميزانية العراق من خلال ما يتم تخصيصه سنويا، دون أي سندات أو وثائق، لدعم الجهد الحربي الإيراني في سوريا والعراق.

ويضاف إلى ذلك عمليات سحب النفط من قبل طهران من الحقول المشتركة أو حتى بعض الحقول العراقية على الحدود، وإذا ما انتقلنا إلى سوريا فأعتقد أن الأمر بات أكثر وضوحا، ولم يعد هناك عاقل يمكن أن يدافع عن إيران، اللهم إلا من ارتضى أن يكون أداة بيد إيران ونظام الأسد، ومعهم زعيم حزب الضاحية الذي لم يعد يرى في إسرائيل إلا حليفا مهما لدعم بقاء الأسد.

لقد اختلفت المواقع وتناثرت المواقف، وكل ذلك خدمة لمخططات طهران التي تجيد اللعب باسم الطائفية للضحك على الشيعة العرب من جهة، وأيضا على وتر فلسطين وتحريرها كما فعلت ذلك لسنوات طويلة.

بعد ذلك، هل يمكن اعتبار إيران عدونا الأول؟ وإسرائيل عدونا الثاني؟ إن جاز تصنيف وترتيب الأعداء تبعا لخطورتهم علينا نحن العرب والمسلمين؟
لست من هواة التصنيفات، هذا عدو أول وهذا عدو ثان، فأنا أرى أن الأمر متداخل إلى حد يصعب معه الفصل، بين عدونا الأول وعدونا الثاني أو حتى الثالث والرابع.

إيران تتماهى مع أي مشروع يحقق لها مصالحها، وكذا الحال بالنسبة لإسرائيل، فالبراغماتية التي تسير الدولتين لا علاقة لها بأي مبادئ، لا يهودية ولا إسلامية كما تدعي إيران.

باتت إيران اليوم عدوة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فقد تدخلت في العراق عقب غزوه عام 2003، بل ساعدت في هذا الغزو. 

لقد عمدت إيران إلى شراء أسلحة عبر إسرائيل في حربها مع العراق، بل أكثر من ذلك كان الخميني يرسل الوفود إلى واشنطن للتباحث معها حول مستقبل إيران بعد الشاه، وأيضا فإن إيران سمحت بدخول مقاتلي القاعدة إلى العراق عقب عام 2003، متناسية أنها ترى فيهم خطرا عليها لكونهم تكفيريين يكفرون إيران ومذهبها.

وذات الأمر ينطبق على إسرائيل، فكلا المشروعين يسيران جنبا إلى جنب، كل يخدم مصالحه على حسابنا، إيران تريد أن تتحكم في عواصم عربية بعينها. إنها تحن إلى فارسيتها وإمبراطوريتها التي كانت قبل الإسلام والتي نقض غزلها الدين الجديد بعد معركة القادسية.
 

لقد تحولت إيران إلى مخلب إسرائيلي شرس، ينفذ ما تريده تل أبيب، بقصد أو من دونه، فإيران اليوم تفتت الأوطان وتمزق الدول وتزرع الفتن وتغير ديمغرافية الدول، وكل ذلك خدمة لإسرائيل، خدمة لبقاء هذا الكيان الغاصب.

إيران اليوم أداة يستخدمها الغرب، راعي إسرائيل وأمنها، خدمة لبقاء هذا الكيان في جسد العرب، خدمة لمئة عام أخرى تضمن من خلالها إسرائيل أمنها، كما منحتها اتفاقية سايكس بيكو أمنا لمئة عام ماضية.

إنهم يتكاملون في عدائنا، يضحكون على سذاجتنا يوم أن صدقنا أن فيلق القدس قادم لتحرير فلسطين، يضحكون على فرط غبائنا يوم أن اعتقدنا ذات يوم أن الشيطان الأكبر يحارب محور الشر.
عندما نستعرض كل هذا التاريخ من الكذب والزيف، وقتها نستطيع الإجابة عن السؤال: من عدونا الأول.. إيران أم إسرائيل؟



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة