ليلى الأندلسيّة!

عامٌ مضى.. ولا زلتُ اذكر ليلى وديار ليلى والصُّدفة التي جمعتني بها، وأي صدفةٍ أجمل من أن تخرج في عتمة ليل غرناطة هائمًا جائعًا تبحث عمّا يسد جُوعك، لتكتشف هُناك أن للجوع أشكالٌ وألوان، جوعٌ يعرفه الناس جميعًا وآخرٌ جوعٌ للحضارة، أما الأول فقد يكفيه وجبة سريعة عابرة وأما الآخر فلا بُد له من حي مثل البيازين ومدينة مثل غرناطة وصُحبة مثل صحبة "ليلى" الأندلسية!

شيءٌ ما ساحرٌ، جعلنا نترك خلفنا طريق « Caldereria Nueva» الذي يعبق برائحة الأندلس باحثين عن زاوية أندلسيّة خفيّة في دهاليز تلّة البيازين ثم رُحنا نصعد الطرقات الضيقة ونترك خلفنا البيوت العتيقة وكأننا على يقين.. أن هناك ما هو أجمل بانتظارنا، والأعجب أن مطلّة « San Nicolás»» على قصر الحمراء لم تستوقفنا كثيرًا، مع أنها تجذب السيّاح من كل العالم، إلا أنه لم يهدأ لنا بال حتى وصلنا إلى ناحية عجيبة، ظاهرها لا يُوحي بالكثير عمّا في داخلها.. ولكن ذلك الشيء الساحر هو الذي جعلنا ندخل تلك البقعة التي بدى وكأن الأندلس اختُزِلتْ فيها.

ليلى، ليست أيُّ أندلسيّة، فهي لا تكتب التاريخ ولا حتى الروايات، ولكنها تعيشها وتجعل غيرها يعيش "الأندلس" فتؤكّد لك أن الاندلس ليس تاريخًا للتباكي لكنها تنبض بالحياة.

عمّ أتحدث؟ عن الوجوه التي تجدها تُرحب بك كأنك داخلٌ على بيت لا مطعم، أم عن التصميم والزخارف التي تشعرك وكأنك في غُرفة من غرف قصر الحمراء؟ بل حتى الطاولات كأنها من آخر أيام غرناطة وفوق هذا تسمع في الخلفية مديحًا مورسكيًا.. حيث للكلمات الإسبانية في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم) لها وقع بديع.. وفي الزاوية رجل كبير في السن يقرأ كتاباً فتنظر فوقه فتجد زاوية فيها قوارير أدوية وأعشاب.. كأنه عطّار، كُل هذا طبعاً غير ليلى!

وليلى، ليست أيُّ أندلسيّة، فهي لا تكتب التاريخ ولا حتى الروايات، ولكنها تعيشها وتجعل غيرها يعيش "الأندلس"، ولا أدري إن كانت تصح زيارة غرناطة أصلاً دُون زيارتها وهي التي تجعلك ترى الأندلس من جديد، فتؤكّد لك أن الاندلس ليس تاريخًا للتباكي ولا بضعة صور تذكارية ولكنها تنبض بالحياة، وإن لم تكن بالشكل الذي عرفناه في الكُتب ولا في المسلسلات!.. إلا أنها حيّة، وهناك من أمثال ليلى وزوجها من يسعون إلى إحياء التراث والثقافة الاندلسية وغيرهم ممن يعملون بهدوء كي لا تكون الأندلس مُجرد تاريخ غابر!

في مطعمها، تجدها لا تقدّم الأطباق الاندلسيّة والحلويات الشرقية والشاي المغربي فقط، فما أن علمت أنني وزوجتي قدمنا الأندلس من فلسطين حتى رحّبت بنا ترحيبًا عجيبًا، ولم تتركنا تائهين في غرناطة فاقترحت علينا أن نلتقي في اليوم التالي على مائدة في مسجد غرناطة الجامع، يلتقي عليها ثلّة من المسلمين الأندلسيين في يوم عرفة عند الافطار وهذه كانت فرصة بديعة للالتقاء بهذه الثلّة التي لا نعرف عنها شيئًا.

يوم العيد، صليّنا معاً على إحدى تلال البيازين وهي فرصة لم نحلم بها من قبل.. والأجمل أن ليلى هذه المرّة لم تتركنا نحتفل بالعيد وحدنا في هذه البلاد.. فقررت أن تكون لنا أهلاً في غربتنا، واصطحبتنا وزوجها إلى مطعم كي نحتفل بالعيد معًا، حيث تناولنا إفطارًا اندلسيًا من التيهيرنجو «Tejeringo» بينما زوجها فضّل أن يغمس قطعة من الخبز عليها شيء من صلصة البندورة في كوب من القهوة.. على التقاليد الأندلسيّة!

يومها، حظينا بسماع قصتها مع الإسلام، وهي أعجب قصّة اعتناق للإسلام سمعتها في حياتي، والتي بدأت مع دخولها الجامعة حيث اكتشف عشقها للأندلس.. ومع صعوبة الأوضاع الاقتصاديّة هُناك راحت تبحث عن شيء تسترزق منه فقررت أن تبيع الشاي، وجعلت تبحث فنون صناعة الشاي، حتى ساقها ذلك إلى الشاي المغربي ومعه بدأت تتعلم أكثر عن المغرب والإسلام.. وهكذا كان الشاي سببًا من أسباب اهتدائها للإسلام، فسبحان الذي هدى هكذا امرأة إلى الإسلام بسبب الشاي، كما هدانا إلى مطعهما الصغير دُون تخطيط منا ولا تدبير!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

شبه جزيرة إيبيريا تقع جنوب غرب أوروبا، تحدها جبال البرانس شمالا، وتشكل إسبانيا جزءها الأكبر، متبوعة بالبرتغال، وتضم أيضا أندورا وجبل طارق، وتزيد مساحتها على 582 ألف كيلومتر مربع.

على وقع أنغام الموسيقى الأندلسية وموسيقى المالوف، وقصائد الشعبي الجزائري، تتواصل بالجزائر العاصمة فعاليات تظاهرة "وقفة عرفان" التي يُحتفى خلالها في ليالي رمضان بأعمدة الفن الجزائري الأصيل بمختلف أنواعه ومدارسه.

الأكثر قراءة