صكوك الغفران الإسلامية

بين تقديس الحياة، بكل ما ترمز له الحياة وما تستبطنه من عنفوان وانطلاق وتحدٍ وحرارة، وصور ومعاني وأفكار، وبين تقديس الموت، بكل ما يمكن للموت أن يحمله من خمودٍ وانطفاءٍ وانمحاءٍ ونهاية، وصورٍ أكثر قتامة وسوداوية، بين هذين التقديسين تختلف نظرة الإنسان كفرد إلى الحياة والموت، وهي كنظرة فردية تختلف تماما في منطلقاتها وأهدافها عن النظرة الدينية الأيدولوجية، وذلك الاختلاف يرتبط باختلاف الأهداف لكلا الرؤيتين الإنسانية الفردية، والدينية الشمولية.

لم أقف على مفردة تلاعب بها السياسيون ووعاظهم على مر التاريخ كمفردة "شهيد".

وأظن أنّ الإنسان ككائنٍ حي، ومن وجهة نظرٍ عقليةٍ فردانيةٍ بحتة، لابد وأن يحتفي بالحياة ويكافح في سبيلها، ويحرص عليها كحقٍ طبيعيٍ له، لا يسمح لأحدٍ بانتزاعه منه، لأيِّ سببٍ كان، غير أنّ هذه النظرة قد تختلف تماماً لتحل محلها نظرةٌ عاطفيةٌ شموليةٌ، ترفع من شأنِ الموتِ في سبيل غايةٍ ما، وتعلي من شأنِ باذلِ روحه فداءً لتلك الغاية.

وهنا يصبح الموت أكثر حضوراً وفاعلية وديمومة من الحياة، وأقدر على التعبيرعن معاني العز والكرامة والنضال والسؤدد والخلود، وأقدر على استجلاب المشاعر لخندقه بالرغم من كل ما يحيط به من آلام وصور مرعبة.

هذا ما تفعله الحرب والتي لا يمكن لنارها أن تزداد اشتعالا إلا بالاستعانة بالعاطفة الدينية وإسباغ صفة الشهيد، على قتلى كل الحروب، ومادام كل فريق يسبغ هذه الصفة على أصحابه، فإنّ وقود الحرب من القتلى "الشهداء" سيستمر ويزداد طمعا في التوسيم الأخروي بصفة "شهيد"، والتي تبدو صفة مشتركة بين جلّ العقائد والديانات، وربما يفسّر هذا خطورةَ الحروب الدينية وكمية الحطب البشري الهائل الذي يشتعل فيها، والتاريخ حافل بمشاهد مؤلمة وأنهار من الدماء سالت بسبب الحروب الدينية، ووهم الشهادة التي يستخدمها الساسة ورجال الدين لتغميم أعين الجنود، وجعلهم وقودا أبدياً لحروبٍ سياسيةٍ توسعيةٍ دائمة.

لك أن تضحك وتبكي في نفس اللحظة وأنت ترى إلى طائفتين تقتتلان، مع انتمائهما إلى ذاتِ العقيدة الدينية.

ولم أقف على مفردة تلاعب بها السياسيون ووعاظهم على مر التاريخ كمفردة "شهيد" التي أصبحت مشابهة تماما لصكوك الغفران التي تمنحها الكنيسة لمن شاءت بينما ترمي بالحرمان منها من شاءت.

وليس المقصود من هذا الطرح تزهيد البشرية في المعاني السامية الداعية إلى الحرية والفداء والدفاع عن الأوطان والمكتسبات الإنسانية والبشرية، ومن ضمنها الدين كمكتسب روحي وحضاري يصعب على النفس التنازل عنه، ولكنّ الإشكال في استخدام الدين كغرض سياسي للوصول إلى أغراض بعيدة تماما عن الدين ومقاصده الأساسية، واستسهال إضفاء لقب "شهيد" على كل القتلى الذين أرضوا طموحاتنا ومآربنا النفسية ومطامعنا الدنيوية الآفلة.

ولك أن تضحك وتبكي في نفس اللحظة وأنت ترى إلى طائفتين تقتتلان، مع انتمائهما إلى ذاتِ العقيدة الدينية "الإسلام"، بينما ترى كلُ طائفةٍ إلى قتلاها كشهداء، وترى إلى الطائفة الأخرى قتلى في النار.

وفي ذلك قلت:

قلنا

لنجمّل وجه الموتِ الفاحمِ
قتلانا شهداءٌ
في روضاتِ الجنةِ
قتلاهم في النارْ

قالوا
ليصيرَ دمُ التاريخ وساماً آخرَ
قتلانا شهداءٌ
في روضاتِ الجنةِ
قتلاهم في النارْ

قتلاهم / قتلانا
قتلانا / قتلاهم

وحدهمُ القتلى
يقتحمون المعنى
وحدهمُ القتلى
يكتشفون الغيبَ الحاضرَ
بين النارِ الجنةِ..
وحدهم القتلى
من كفروا بالألقابِ الناجزةِ..الأوسمةِ..التأبيناتِ..
دموع اللحظةِ..والدعواتْ.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أطلق سعوديون حملة تحت اسم "#رابط _عني_ أعتمر_ عنك"، تهدف لدعم انتفاضة المرابطين بالمسجد الأقصى والأسرى وأهالي الشهداء وصمودهم، بأداء العمرة عنهم خلال شهر رمضان، ولزيادة وعي الشباب بقضية الأقصى.

لا يحمل أهالي داريا شيئا من مقتنياتهم وهم يغادرون مدينتهم "الشهيدة" نحو وجهة لم يختاروها، لكنهم مثقلون بجراح مثخنة وذاكرة أرهقتها مشاهد الحرب والدمار وبراميل الموت طيلة أربع سنوات.

الأكثر قراءة