شارك المستهدفين ولا تعمل لوحدك

لا يكاد يخلو وطن من أوطاننا العربي من حالة تخلف بمفهومها العام، أو حالات فقر وجهل ومرض بمفهومها الخاص، ولم تكد تنجح معظم البرامج التي استهدفت القضاء على هذه الآفات، بل إن بعض هذه البرامج لم يكتب لها الولادة فضلاً عن النجاح وتحقيق الأهداف.

 مصطلح "التنمية" أصبح يتكرر كثيراً في منطقتنا، وبتنا نراه مراراً (ومراراً – بفتح الميم – إن شئت) على مشاريع كثيرة، بعضها لم يخرج عن الورق، وبعضها لم تخرج أمواله من جيوب القائمين عليه! وما زالت مجتمعات كثيرة تنتظر اليوم الذي تتلقى فيه مشاريع ذات جدوى إقتصادية لتساعدها على بناء نفسها وتطوير أبنائها.

التنمية الحقيقة هي التي تعمل على زيادة فرص حياة الناس في المجتمعات، وتوسيع خياراتهم في الحياة وليس زيادة فرص العمل فقط. 

ولكنني هنا سأتجاوز هذا النوع من المشاريع للحديث عن مشاريع بدأت عملها فعلاً، ولكنها لم تستطع الوصول الى مستفيدين فعليين، وإن وصلت فإنها لم تقدر على تحقيق نتائج حقيقية لهؤلاء المستهدفين.

دعونا نتفق على مقدمتين أساسيتين:
أولاً: أن التنمية الحقيقة هي التي تعمل على زيادة فرص حياة الناس في المجتمعات، وتوسيع خياراتهم في الحياة – وليس زيادة فرص العمل فقط!

وأنها يجب أن تعمل بشكل رئيس على رفع مستوى الجودة في الخدمات المقدمة، خاصة تلك التي تمس حياة الأفراد بشكل مباشر وغير مباشر، بما يشمل الاتصالات، والمواصلات، والتعليم، والصحة، وغيره مما يرفع مستوى حياة البشر والمجتمعات.

وثانياً: من أهم مبادئ التنمية، رفع كفاءة استخدام البشر للموارد المتاحة، وتحسين طرق تعاملهم معها، بما يشمل إرشادهم إلى أفضل أنماط الإنتاج والاستهلاك، وبما يضمن التعامل الصحيح والأمثل مع الموارد، والسعي لإيجاد بدائل أفضل وأقل إيذائاً للإنسان والبيئة.

وهنا نصل إلى نقطة جوهرية، وهي أنه في كثير من برامج التنمية المعلنة، لم يستطع أصحابها الوصول الى الفئات الأولى، وهنا لا نتكلم عن أصحاب الحاجة فقط، وإنما من تنطبق عليهم معادلة الحاجة والقدرة والرغبة معاً، فثمة معوزين لا يملكون القدرة أو المهارة على إدارة وتنفيذ المشروع التنموي، وثمة آخرون يملكون المهارة ولكن لا يرغبون بتحمل المسؤولية مجدداً، وهذا مبحث آخر.

وقد لا نختلف إن قلنا أن نسب نجاح المشاريع التنموية عادة ما تكون أقل بكثير من مثيلاتها من البرامج الإغاثية والطبية، نظراً لصعوبة تنفيذها، واختلاف الظروف بين مشروع وآخر، ولكن هذا لا يعفينا من مسؤولية اتباع السياسات والاجراءات الخاصة بالمشاريع التنموية، لضمان الوصول إلى المستهدفين بدقة أعلى.

مشاركة واستشارة أصحاب الخبرة هي الضمان لوصول برامج التنمية إلى مستحقيها ووصولها إلى أهدافها وغاياتها. 

وكحل لهذه المشكلة تعمل بعض المؤسسات على دعم مشاركة المستهدفين في اختيار المشاريع الأنسب لهم ولبيئتهم، فهم الأقدر على تحديد ما تتقبله بيئاتهم، وأراضيهم، وما يمكنهم إنجازه بناء على مهاراتهم وخبراتهم، فكثير من المشاريع فشلت بسبب متغير صغير لم يحسب بشكل جيد، أو معلومة مهمة لم يتم الالتفات لها بسبب قلة خبرة القائمين على المشروع ببيئة العمل، وعدم طلب المشورة من أصحاب الخبرة السابقة، أو المستهدفين. 

مشاركة المعنيين، واستشارة أصحاب الخبرة هي الضمان لوصول برامج التنمية إلى مستحقيها، ووصولها إلى أهدافها وغاياتها، وهو بحد ذاته مؤشر ابتدائي على بداية صحيحة للمشروع، ومبشرة بنسب عالية لنجاحه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أظهر تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) أن الاقتصاد الفلسطيني كان سيصير بمثلي حجمه الحالي على الأقل لولا الاحتلال الإسرائيلي الذي يحرم الفلسطينيين من حقهم الإنساني بالتنمية.

الأكثر قراءة