ذئاب في الأساطير..

تقول الحكمة : تعيش الأغنام حياتها خائفة من الذئب ،وفي النهاية يأكلها الراعي..

**
الذئاب موجودة في فيافي الحكايات والأساطير أكثر من الواقع، حتى صارت القصص الليلية تقطر دماً، وتلتصق الصفحات بلعاب الذئب ووبر الضحية، كم من ذئب أكل كلمات الحكاية، وجرح الحبكة وأجهز على عنق النعاس! كم من ذئب قطع الصفحات وقد غرزت في قدمه فاصلة أو علقت بذيله إشارة استفهام! كم من ذئب حُشر بين صفحتين وخاض في وحل الفكرة ثم مسح رجليه في سجادة النهاية! كم تحمّل ليكون وجه الشرّ الوحيد في الأسطورة لينقذ وجه إنسانيتنا المزيّفة!..

أنظرُ في عيون الخراف التائهة فأعرف أنها لم تفهم الدرس بعد منذ تفريغ الحظيرة الأولى وجلبها في المزاد الأزلي.

قالوا إنه أكل ليلى وجدتها..وخدع الراعي كثيراً، وسطا على خراف المختار.. ثم قتلوه بخنجر من ورق ليبدوا أبطالا.. ما زلنا نُرعب الخراف المنفردة من خطر الابتعاد عن الجماعة لا خوفاً من اقتراب الذئب، بل لكي نبيعها ونذبحها مجتمعة..

**
مع كل عيد أشاهد تجار الأضاحي كيف يسوقون البضاعة بالجملة، يضعون الحواجز الحديدية في الشوارع ثم يحشرون الخراف بين هذه القواطع كمخيم لجوء، ماء آسن وشعير مختلط بالتراب، ومع ذلك يريد من خرافه أن تسمن بسرعة كبيرة حتى تحقق سعراً عالياً..

وأنا أشاهد الخراف المزدحمة في الحظيرة المؤقتة، أسأل نفسي ترى ألم تروي النعاج لأبنائهن في حكايات ما قبل النوم، أن الذئب لا مكان له هذه الأيام سوى في حديقة الحيوان!! بينما الذئب الحقيقي هو من يسمّنك بغذاء ملوث وماء أسود ليبيعك بسعر مرتفع.. وأن الذئب ليس ذاك الكائن الذي ينقض عليك في حقل بعيد كجزء من مشاهد صراع البقاء، بينما الذئب ذلك الذي يدفع فيك ثمناً جيداً ليذبحك..

أنظرُ في عيون الخراف التائهة فأعرف أنها لم تفهم الدرس بعد منذ تفريغ الحظيرة الأولى وجلبها في المزاد الأزلي.. عيون الخراف مموّهة، بين يأس وحزن ولا مبالاة وانتحار، تخاف ممن يعتني بها لأجلها، لمن يتعاطف معها ولو من بعيد.. تهرب منه وتختبئ خلف حامل السكين في الجيبة الخلفية..

في كل عيد، أمضي وقتاً طويلاً بين الحظائر أراقب سلوك القطيع.. هي أمة مستضعفة.. لا تفهم بالتوازنات ولا بالتحالفات ولا بالتحليل السياسي ولا بمؤتمرات المصالحة هي تتصرّف للبقاء حية ليس إلا ..في الجلب تسير مسرعة كلما صفّر لها الراعي "الديكتاتور"، الخروف الأول يمضي و يهزّ رأسه للأمام وكل من يتبعه يقوم بنفس الحركة وكأنه "إجماع على المصير".

الأطفال كمنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني؛ تتعاطف معنا وتحزن علينا ..لكنهم لا يملكون قرار بقائنا أحياءا.

في المساومة لا يترك الخروف يد الشاري "حليف الراعي" تتسلل كثيراً إلى مناطق الجسد، فيحاول أن يفلت قبل أن يُنطق بالقرار… ليس له دور في تحديد السعر، أو في فشل الصفقة، هو فقط يدور في مربع العرض والطلب فالثغاء غير المفهوم لا يزيد في البدل ولا ينقض التفاوض..

في الساعات الأخيرة من عمره يحاول أن يكوّن صداقات سريعة، أن يكون ودوداً مع أطفال العائلة، يقترب منهم، "يعطس"، "يرفس"، يضحكون، وأثناء قيامه بحركة دائرية حول نفسه لتسليتهم، يلتف الحبل حول عنقه فيحزنون، يأتي مالكه الجديد "حليف الراعي" يخلصه من مأزق الاختناق ثم يعيد ربطه في الشجرة، هو لا يريده حياً مدى الحياة، هو لا يريده أن يموت بهذه الطريقة فقط..

الأطفال كمنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني؛ تتعاطف معنا وتحزن علينا.. لكنهم لا يملكون قرار بقائنا أحياءا.. في نهاية المطاف.. نُمدده أرضاَ نجهز عليه، يلوّن دمه علفه الذي لم يأكله.. ننزع عنه صوفه المزمن، نعريّه أمام الحاضرين دون تردد، نقوم بتقطيعه حسب عرف التقسيم: "ثلث لأهل البيت.. ثلث للأصدقاء.. ثلث للجيران".. هكذا تقسم الأضحية وهكذا تقسم الأوطان..!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأضحية أو خروف العيد مثار اهتمام السودانيين هذه الأيام مع ارتفاع أسعاره نتيجة قرارات رفع الدعم عن الوقود الأخيرة، يضاف إليها ارتفاع مدخلات الإنتاج من عمالة ونقل. كل ذلك في ظل غياب بديل حقيقي لتوفير الأضاحي بأسعار ميسورة وعلى نطاق واسع.

قالت الرابطة الملكية الأسترالية للرفق بالحيوان اليوم إن قرابة أربعين كيلوجراما من الصوف جُزت من خروف بمنطقة قرب العاصمة كانبيرا، وهو ما يجعله بشكل غير رسمي الخروف الأكثر صوفا بالعالم.

الأكثر قراءة