الربيع العربي إلى صدام حتمي

عند الحديث عن ثورات الربيع العربي لابد لنا من استجلاب أحداث التاريخ أياً كان ذلك التاريخ إسلامياً أو غيره، من تاريخ الحضارات التي سادت ثم بادت. إن في التاريخ البشري حقائق تكاد تكون ثابتة لا تبديل لها.
 

ولذلك لا يمكن أن نبتر الواقع من ذلك السياق التاريخي الحتمي الذي يشكل مسيرة الإنسانية منذ نشأتها وحتى الآن. ونحن هنا في الحديث عن الثورات العربية ندرج تلك الحقائق التاريخية التي تؤسس لخطى الشعوب ونكستها ونهضتها.
 

وما التاريخ إلا أحداث متتالية من التغيير لطبيعة النفوس البشرية التي تحمل صفات الخير والشر، فذلك التدافع الحضاري بين الشعوب أو حتى مع بعضها البعض هو أقوى شاهد على أن الحالة العربية من الحراك المعاصر ليست بدعاً من التاريخ الإنساني.
 

ونحن إذ نثبت هذه الحقائق كتمهيد للحديث عن الحالة الثورية الحراكية التي تدعو لإعلاء القيمة الإنسانية التي طمست من نفوس مريضة استبدادية، تتمثل هذه النفوس في مجموعة العصابات السياسية المتحكمة في ثروات الشعوب التي ظلت تعاني زمناً طويلا من هذا الظلم والقهر وكبت الحقوق الإنسانية الطبيعية من الحريات والكرامة البشرية التي يتميز بها الجنس البشري.
 

إن الطواغيت والعصابات لا تريد اصلا لهذه الشعوب ان تعيش كبشر بل تريدها أدنى من الحالة البشرية كقطعان من الغنم

والحالة العربية تمثل تجديدا بشرياً يحمل دوافع تدعم قيم الإنسان، وهذا الحراك مع كونه بدأ سلمياً في المطالبة بمبادئه وحقوقه إلا ان أصحاب البطش الذين لا يعرفون إلا لغة القمع حاولوا ولا يزالون تقويضه وكبته والتنكيل به، واضطرت الجماهير أن تدافع عن نفسها وعن حقوقها كحق بشري طبيعي، وردة فعل واجبة للذي له قلب ويعرف معنى وجوده الإنساني ورسالته في الحياة.
 

إن هذه الثورات العربية هي انفجار طبيعي ومقاومة مشروعة لا تنكرها القوانين الإنسانية كلها، مع العلم أنها تسعى لإقامة الحقوق وحفظ الحرمات وتطهير المقدسات من الفساد والإفساد الذي تقوده العصابة العالمية عبر أذرعها في المنطقة الإسلامية كطريقة جديدة تشكل نفس الحالة الاستعمارية التي شهدتها الشعوب الإسلامية والعربية، ولكن هذه الطريقة تحاول شرعنة الإجرام وتقنينه عبر الآلة السياسية القمعية.
 

ثوابت في صراع التغيير
إن التغير من الاسوأ إلى الأفضل في أي حالة هو طبيعة العمارة لهذه الأرض حيث لا تستقيم الحياة البشرية إلا بالتطور والنمو.
 

ونحن إذ نتحدث عن حالة التغيير في الثورات العربية لا نتحدث عن المطالبة بالتطور كحق طبيعي فحسب، بل الثورات قامت بالأساس ليس للتطور وحده بل للعيش كبشر في المقام الأول.
 

إن الطواغيت والعصابات لا تريد أصلا لهذه الشعوب أن تعيش كبشر بل تريدها أدنى من الحالة البشرية كقطعان من الغنم يسوقها راع فاجر. لذلك فإنه من الطبيعي جداً ان يدور صراع محتدم بين الخير والشر متمثلاً في مطالبة ومساعي الشعوب جهاداً لنيل حريتها وكرامتها.
 

وإن من الخطأ كل الخطأ أن نحمل الشعوب نتاج الصراع من دماء وهي لم تسع لسفك الدماء بل سعت لنيل حقها الطبيعي، ونتغافل عن الطواغيت الذين يمتلكون الآلة العسكرية التي يستخدمونها في الإجرام والبقاء في حظيرة الظلم كاستهواء نفسي طاغ.
 

الثورات المضادة والدولة العميقة والبعد الدولي
إن هذه المصطلحات الثلاثة كان ولازال لها الآثر الكبير في الانقلاب على حقوق ومطالب الشعوب، وقد قل التنظيم الدقيق للثورات بحد جعل الدولة العميقة ترتد إلى طغيانها ويعود فيروسها المقيت، ولكن لا ينقص ذلك من حقيقة هذه الثورات وشرعيتها التي حولت من الانقلابات فضيحة كبرى للنظم التي تتبنى وتدعي الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات.
 
وستظل هذه الثورات امتداداً لعصور الكفاح البشري والنضال البطولي عبر التاريخ الذي يخلد بحروف من نور

فلولا الانقلابات لظلت الشعوب تتردى وتفقد الوعي لأن الانقلابات أعادت إلى الأذهان أنه لا خلاص لهذه الشعوب إلا بكفاح طويل قد يستمر سنين طويلة وليس فقط تغييرا ناعما تناله الشعوب بأيام عدة.
 

إن من هبات تلك الانقلابات أنها رسخت في أذهان الجماهير الإسلامية والعربية أن هؤلاء الحكام ما هم إلا أذرع استعمارية تمارس القمع الاستعماري التاريخي نفسه بطرق وأساليب حديثة.
 

وهذا البعد الدولي أصبح واضحاً كل الوضوح خاصة في النموذج السوري، حيث تداعت فيه كل الأمم التي تسعى لبسط سيطرتها على العالم الإسلامي خاصة وأن النموذج السوري يمثل تهديداً واضحاً لدولتهم المزعومة في المنطقة التي أقيمت بالقوة على أشلاء وجماجم الأطفال والمستضعفين إسرائيل.
 

الانتصار الحقيقي
إن الانتصار الحقيقي لكل قيمة ليس في تحقيق أهدافها المادية فحسب بل في المضي قدماً نحو تحقيق تلك الأهداف وإن لم تتحقق، والبشرية وحضاراتها خير شاهد ودليل، فكثير من الأمم خاصة الأمة الإسلامية عادة ما تتحقق طموحاتها الدنيوية بعد فترة صراع طويلة مع الباطل والإفساد.
 

الانتصار الحقيقي هو أن تتحرر الأمم روحياً من الخوف والطغيان والفساد والظلم، وكما قال مالك بن نبي: "المجتمع لا يقاس بكمية ما يملك من أشياء بل بمقدار ما يملك من أفكار".
 

وستظل هذه الثورات امتداداً لعصور الكفاح البشري والنضال البطولي عبر التاريخ الذي يخلد بحروف من نور.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ثورة شعبية اندلعت في تونس أواخر عام 2010، أدت إلى سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي وفراره، وألهمت حركات الاحتجاج التي انتفضت ضد الأنظمة الحاكمة ببقية دول "الربيع العربي".

يرى الكاتب الأردني جلال برجس أن "أخطر نتائج ما سمي بالربيع العربي أنه أزاح الستار عن كثير من عيوبنا التي كانت عبارة عن قنابل موقوتة" في إشارة للعنف والتطرف والطائفية.

الأكثر قراءة