الانتحار.. من أجل الوطن!

علّمونا منذ الصغر أنّه لا يوجد ما هو أغلى من تراب الوطن.. 

وما زلنا نصدّقهم، رغم أن هذا التراب يبدو غالباً أنّه لا يصلح سوى لدفننا..
ما زلت أذكر الدقائق الأولى بعد إقلاع الطائرة من مطار بيروت، في تلك الرحلة التي نصّبتني مغتربة..
 

ما هذه الأوطان التي تلفظنا إلى أقاصي الأرض ثم تُشعرنا بالذنب لأننا هجرناها؟ ما هذه الأوطان التي تخنقنا، ثم تعاتبنا لأننا بحثنا عن نفسٍ بعيدٍ عنها.

أذكر تماماً كيف كانت أغلب المناطق غارقة بالعتمة.. برمزية قاتلة لهذا الوطن الذي هجره أهله، وأطفأوا الأضواء قبل الخروج منه.. أو ربما رمزية لهذا الوطن الذي حجب الشمس عن أهله، كي يرحلوا عنه، ويتركوه مع قطّاع الطرق يسرقون وينهبون في عتم الليل.. فهذا الوطن لا يريد أن يرى شمس العدل.
 

تذكّرت حينها تصريحاتي النارية عند تخرّجي من الجامعة وعزمي على البقاء، فإذا تركناه جميعاً "للحرامية" من سيبني الوطن؟ ابتسمت ابتسامة حنين لسذاجة الشباب وعنفوانه، وكأنّني عجوزٌ ثمانينية وأنا ما زلت في السادسة والعشرين من العمر.. وذرفت دمعة على هذا الوطن الذي لن يُبنى.. وعلى شبابي الذي سرقه منّي قبل أن أولد.. وذرفت دمعة على هذا الحب المستحيل.. لوطنٍ يخنقني، ويلفظني بعيداً بعيداً، أبعد من أحلامي التي رماها في البحر.
 

ومع ذلك شعرت بالذنب.. بأنني أخذل وطناً ينتظر من يواجه الأعاصير من أجله.. من يخلّصه من براثن الوحوش الذين استعبدوه وحوّلوه إلى مزرعةٍ لساديتهم وبطشهم وطغيانهم.
 

ما هذه الأوطان التي تلفظنا إلى أقاصي الأرض، ثم تُشعرنا بالذنب لأننا هجرناها؟ ما هذه الأوطان التي تخنقنا، ثم تعاتبنا لأننا بحثنا عن نفسٍ بعيدٍ عنها؟ ما هذه الأوطان التي تقتلنا، ثم تقاصصنا لأننا بحثنا عن طوق نجاة من سكينها؟
 

تنشّقت نفساً عميقاً، أردت منه أن يدفن كلّ هذه الأسئلة.. فتحت جواز سفري ونظرت إلى التأشيرة.. ووعدت نفسي أن أجد حيث أحطّ وطناً بديلاً.. وعدت نفسي أن أتنفّس! ليس نفس الحرّية الذي يتغنّى به الشعراء في قصائدهم.. ولا نفس الاستقلالية.. بل فقط نفساً عادياً.. أن أفتح رئتيّ كالطفل الذي يخرج إلى العالم، وأصرخ لأقول: "أنا هنا! أنا حيّة!".. أن أتنفّس نفس الحياة التي كادوا يستنزفونها.
 

كنت أموت في وطني.. كنت أغرق في ترابه.. لا بل في وحوله.
 

أتذكّر ذلك الشعور بالاختناق بوضوح، حتّى اليوم.. وأفهم كيف قامت شابةٌ لبنانية بالانتحار.. بعد أن طال انتظار التأشيرة التي بدت أنّها لن تأتي.
 

ضجّت المواقع بالجدل حول ما إذا كانت الرحمة تجوز عليها أم لا.. ولم يتساءلوا ما إذا كانت تجوز الرحمة على أوطانٍ تقتل أبناءها، بينما تترك السرطان يستشري فيها.
 

هكذا يعيش الشباب المهمّش الذي يرى نفسه يسير ببطءٍ نحو مستقبلٍ بعيدٍ عن أحلامه يعيش وكأنّه في مقبرة جماعية ينتظر الموت، من أجل الوطن.. والوطن يضحك على أحلامهم.

تذكّرت البوعزيزي.. الثورة التي اندلعت عقب حرقه لنفسه أخمدت بسرعة نيران الجدل حول "شرعية" فعلته.. البوعزيزي مات، ونجا من أحكام البشر وتساؤلاتهم.. فالكل انشغل بتنصيبه بطلاً لثورة الياسمين، ودفنوا مع جثته جدلية انتحاره.
 

لكنّ البوعزيزي لم يكن الأول.. ولم يكن الأخير.. ما زال هناك شباب يضرمون النار بأنفسهم علّهم يشعلون نخوة أوطانهم تجاه شبابها.. وهناك من ينتحر بصمتٍ في عتم غرفته، بعد أن فقد الأمل كلياً بأن يتغيّر واقعه.. أو واقع هذه المقبرة الجماعية.
 

هكذا يعيش الشباب العاطل عن العمل، المهمّش، الذي يرى نفسه يسير ببطءٍ نحو مستقبلٍ بعيدٍ جداً عن أحلامه.. مستقبل لا يدعو للتفاؤل ولا للأمل.. يعيش وكأنّه في مقبرة جماعية.. ينتظر الموت، من أجل الوطن.. والوطن يضحك على أحلامهم، ويستمتع بتخييب آمالهم.

لا أدافع عن خيار الانتحار.. لكنّني لا أهاجمه.
 

أتذكّر فقط هذا الشعور بالاختناق الذي كنت أعيشه.. هذا الشعور بأن شبابي يذوي، وطاقتي تنطفئ، وأحلامي تغرق، وعجزي يكبر.
 

أتذكّر، وأفهم.. كيف يمكن أن تنتحر، بسبب الوطن.. من أجل الوطن!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال مراسل الجزيرة إن قوات الجيش الوطني باتت بالقرب من مطار صرواح بعد سيطرتها على تلة جديدة، في وقت تتواصل الاشتباكات العنيفة غرب مأرب مع الحوثيين وقوات الرئيس المخلوع صالح.

أحيت تونس اليوم الوطني لحماية الصحفيين بمشاركة منظمات حقوقية محلية ودولية، بينما تستذكر مرور عامين على اختفاء الصحفيين سفيان الشورابي ونذير القطاري في ليبيا أثناء قيامهما بمهمة هناك.

الأكثر قراءة