أيهم أكثر قربا من إيران؟!

بهدوءٍ غير معتادٍ وقُبيل موسم الانتخابات الذي أصبح على الابواب، إجتمع أقطاب "التحالف الشيعي" الحاكم في العراق ليختاروا رئيساً له، بعد جدل فاق العامين حول من له الحق في المنصب. عمار الحكيم زعيم المجلس الأعلى رئيساً دورياً للتحالف الحاكم، بدلاً من إبراهيم الجعفري الذي شغل المنصب لسنوات عديدة.

اختيارُ رئيسٍ دوريٍ للتحالف الحاكم جاء في سياق خطواتٍ إستباقيةٍ لترتيب البيت الشيعي الذي يواجه أزمات داخلية أبرزها؛ الصراع الشيعي الشيعي والانقسامات والتشظي داخل الكتل والكيانات المنضوية تحته هذا من جهة، ولقطع الطريق أمام تشكيل أي تحالف يكون بعيداً عن إيران من جهة أخرى.

لقد كان تأثير الدعم الأمريكي للأحزاب الشيعية التي نشأت في أحضان إيران مهلكاً، حيث انشغلت في تنافُسها بسؤال الولاء للمصالح الشيعية الوطنية أم الشيعية الشيعية.

لكن أبرز مشكلة واجهت التحالف الشيعي هي أنه لم يستطع طوال عقد ونصف على تقديم رؤية متكاملة لإدارة الدولة – باعتبار هذا التحالف المسؤول عن ترشيح رئيس مجلس الوزراء – رغم الدعم الإقليمي والدولي له.

والشيء بالشيء يذكر، وفي سياق الحديث عن الدعم، فيمكن القول أنه لم تحظ الحركات والأحزاب العراقية (إسلامية أو علمانية) بعد 2003 بالدعم نحو "التحوّل الديمقراطي" نفسُه الذي حَظِيت به أحزاب التحالف الشيعي. ورغم ذلك الدعم فقد كان هذا التحالف عالقاً منذ البداية في تناقضات العلاقة مع الأمريكان من جهة وإيران من جهة أخرى.

فواحدة من أغرب مطالبات أحزاب التحالف كانت هي مطالبتهم بالديمقراطية ضد الامريكان ومشاريعهم وليس من أجل الديمقراطية نفسها، ولهذا بالمقابل أظهر الأمريكان تعاملاً كلبياً مع الديمقراطية صنيعتهم، حيث زوّدوا أعداء الديمقراطية من الطائفة الشيعية، بحجج دامغة ضدها كأداة أمريكية إمبريالية.

لقد كان تأثير الأمريكان في السنوات الأخيرة قبل رحيلهم من العراق في ديسمبر/كانون الأول 2011 أعمق من أن يكون مؤقتاً أو مجرد ورقة تستتر بها الأحزاب الشيعية عورة عجزها كاحزاب يمكن أن تحكم بديمقراطية.

لقد كان تأثير الدعم الأمريكي للأحزاب الشيعية التي نشأت في أحضان إيران مهلكاً، حيث انشغلت في تنافُسها بسؤال الولاء للمصالح الشيعية الوطنية أم الشيعية الشيعية، وسعيها التائه بين تمثيل المكون وبين السعي للاعتراف بها من قبل المجتمع الدولي. وباختصار فالفرق بينهما في هذا السياق، لم يكن أيهم أكثر ديمقراطيةً أو أيهم أكثر شيعيةً، بل أيهم أكثر قرباً من إيران، وهذه هي المعادلة التي حكمت العملية السياسية بعد 2003.

تأثير الأمريكان قبل رحيلهم من العراق كان أعمق من أن يكون مجرد ورقة تستر بها الأحزاب الشيعية عورة عجزها أن تحكم بديمقراطية.

المفارقة اليوم أن السيد عمار الحكيم ليس هو الطرف الأقرب لإيران، وقبولها به رئيساً للتحالف الشيعي جاء بعد إتساع الفجوة بين الطرف الأبعد والاقرب لها، الفجوة التي أدت إلى تقليل أو تصغير دور التحالف في الحياة السياسية.

لكن أول من عمل على تصغير دور قوى "التحالف الشيعي" الحاكم هي إيران نفسها، بدليل لو كانت إيران جادة في دعم تلك القوى، لسمحت لهم بالتحول الديمقراطي المدعوم دولياً هذا من جهة، أوعملت على ترتيب حالهم ليكون التحالف الشيعي شريكاً لإيران من جهة أخرى.

المشكلة التي باتت تتكشف لشيعة العراق وخاصة بعد الاتفاق النووي الايراني هي ليست في وقوعهم في خداع إيراني فحسب، بل في اكتشافهم أن إيران لا تبحث فيهم عن شريك لها في المنطقة، وتريد منهم قوى تابعة لها أو اذرع مليشاوية تنفذ أجندتها حتى لو تطلب الأمر دعم قوى سنية، وهو أمر لا ينفع الإنكار فيه ولا التكاذب.

ولهذا الاشكال الأكبر والذي واجه النخب السياسية العراقية هو ذلك القنوط النخبوي اللا مسؤول تجاه السياسة وأدواتها بعد تسيد أدوات العنف وتغليب لغة السلاح المدعوم إيرانياً، طبعاً فلو كان لدى تلك النخب منهجية دولتية أو رؤية وطنية من أجل تحقيق أهدافها بوسائل ديمقراطية، لتغير الحال كلياً.

استمرار التكتلات والتحالفات راكدة وجامدة على حالها، سيكلف العراقيين هدراً لمزيد من الفرص والطاقات المتاحة، وبخاصة في ظل الحرك الجماهيري والنخبوي الراهن الذي بدأ يعترف بواقع الأزمة السياسية، الأزمة الحقيقة التي إشتقت منها كل أزمات العراقيين ومشاكلهم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

شهدت خريطة سيطرة الأطراف المتقاتلة في سوريا تغيرات سريعة ومتلاحقة، إثر تدخل الأطراف الخارجية المتمثلة بروسيا وتركيا والتحالف الدولي بشكل واضح، في اتساع أو انحسار مناطق سيطرة كل طرف منها.

الأكثر قراءة