شعار قسم مدونات

على طريق المطار.. ما بين الوطن ومعاودة الاغتراب

A 'Eurowings' airline Airbus A330 takes off from the airport in Cologne, Germany, 02 November 2015, on its way for Varadero, Cuba. Eurowings is starting its first long-distance flights from the Colonge/Bonn Airport. The discount airline Germanwings is morphing into Eurowings under a name-change decision by the parent of both brands, the German flag carrier Lufthansa.

يولد الرضيع ثمّ يبدأ بأخذ التطعيمات الأساسية ضد الجراثيم والأمراض، لأنّ مناعته لا تقدر حتى على مقاومة الهواء، ولكن بالخلاف مع هذا الاعتقاد، يقول العلم الحديث إنّ مناعة الطفل الرضيع أقوى مما نعتقد، فإذا تمّ تعزيزها بالرضاعة الطبيعيّة، فإنّنا نستطيع التنبؤ بمولودٍ سليم الجسد والعقل.
 

وفي ما يتعلق بذلك، يكون التطعيم بحقن المطعوم في جلد المولود لكي يصل إلى مادّة الجسم وتمكّنه من بناء مناعتة. 
 

وفي مجتمعاتنا العربية، يترجع الطفل الحليب الاصطناعي منذ أيامه الأولى، ويضاف له علاوةً على التطعيمات الأساسية "مطعومٌ" آخر يطلق عليه اسم "مطعوم الهجرة"، ويتم حقن هذا المطعوم في اللبنة الفكريّة الأساسية للمولود، ليصبح الهدف الأول لدى الفرد العربي الهجرة الى الخارج والعيش في المجتمعات التي توفّر لمواطنيها الحرّية الفكريّة، وتمنحهم الفرصة بأن يكونوا جزءاً من حضارتها، فتجده يتطلّع الى الاستقرار في بلادٍ لا تعرف ثقافة الريف وليس فيها"لتّ وعجن" الأقرباء، مجتمعٍ لا ينزعج من أصوات باعة البسطات صباحاً ولا يقدّم فيتامين "واو" لجزء منه ويحرم الآخر.
 

يا له من صباحٍ ألمانيٍ ساحر! الشّوارع منسوجة كسترةِ صوف شتائية، وأنت تشاهد عجلة المدينة تمشي دون توقّف، وهذا الإتقان هو الطموح الذي لطالما حلُمنا بمشاهدته على شوارعنا العربيّة

يا له من صباحٍ ألمانيٍ ساحر! الشّوارع منسوجة كسترةِ صوف شتائية، وأنت تشاهد عجلة المدينة تمشي دون توقّف لأنّ نظامها متقن، وهذا الاتقان هو الطموح الذي لطالما حلُمنا بمشاهدته على شوارعنا العربيّة، لدينا البرامج ولا نعرف كيفيّة التطبيق.
 

السماء الألمانية صيفاً تبدو هادئة وشبه غائمة، تتخللها الشّمس تارّه وتختفي تارّه فتمنح الإعتدال للمدنيين. وهنا، تستيقظ"حياة" لتقوم بوصيّة زوجها"سمير" الذي كان قبل وفاته يوصيها بالعودة مع أطفالهم الثلاثة (طارق وسامي وريم) إلى الوطن، حتى لا يخسره بالكامل.
 

لا أدري ما هذه الأخطاء التي يرتكبها الأهل ! يضحّون برغباتنا وبطموحاتنا في سبيل إخلاصهم لمبادئهم حتى اللحظة الأخيرة.
 

أقلعت الطائرة من مطار العاصمة برلين متّجهه الى مطار الوطن، و"حياة" تفكّر بالمعيشة الجديدة على أرض غير ألمانيّة. وفي مطار الوطن أتمّت الإجراءات اللازمة للدخول بعد أن تجادلت مع أحد القادمين الذي همس بإذنها:"تعطيني رقمك وأعطيكي دوري"!
 

وفي منتصف الطريق، أخرج طارق من جيبه شريط موسيقى يطلب من سائق التكسي أن يضعه لهم، فسأله السائق:"شريط شو هاد عمو؟ لنانسي والا اليسا؟"، وإذ يصدح الشريط بنشيد"وطني حبيبي..وطني الأكبر..". شعر السائق بالقشعريرة وأخبرهم بأنّه لم يستمع لهذا النشيد منذ أكثر من عشرين عاما. قالت حياة إنّ هذا الشريط قدّمه زوجها سمير لأبنائه وأوصاهم بسماعه يومياً.
 

وصلت حياة وعائلتها الى المنزل مساءً، وبدأ الأبناء بترتيب أمتعتهم وأسرّتهم مستعدّين للخروج يوم غدّ الى المدرسة المجاورة للتسجيل فيها.
 

وفي الصباح بينما كانوا يدخلون المدرسه، شاهدوا مجموعة من الطلاب يحاولون الهروب من على السّور، كان الأبناء في منتهى دهشتهم، هذه الأيام الأولى لهم في الوطن.
 

 دخلوا إلى مكتب مدير المدرسة، وبدأت المأساة حين أتى طالبان أحدهما ينزف من رأسه، فصاح المدير: "شو هاد يا ابني!! مين اللّي فالجك هيك"؟، فأجابه الطالب: "ما حدا، وقع لحالو بحصة الرياضه لأن الأستاذ عنده اجتماع"، وعندما نودي الآذنُ المدرسي ليأخذ الطالب الى الإسعاف، قال: "اسف استاذ كنت مشغولا لأنّه عم ببيع بطاطا"! . وإذ بمدرّس الرياضيات يلهث، يحمل بيديه حقائب مدرسيّة، يخبر المدير بأنّه لم يتمكن من إمساك الطلّاب الذين هربوا من على سور المدرسة، فأخبره المدير بأنّه سيتم تشييك جدران المدرسة بالبلّور والأسلاك الشائك.. نظرات التعجّب والدهشة تبدو على وجوه حياة وأطفالها، ليقول طارق للمدير: "هاي مدرسة ولّا سجن".
 

لم يكن بوسع حياة إلّا المغامرة وتسجيل أبنائها في المدرسة. كانت الساعة الواحده ما بعد الظهيره، وهذه تعتبر ساعة عودة الأبناء من المدرسة. وعلى سفرة الغداء، سألت حياة ابنها الأصغر سامي والذي يبلغ من العمر عشر سنوات: هل أعجبتك المدرسة الجديدة أم لا، فقال لها: "المسّ حكتلنا اللي بحكي رح تحطّه بغرفة الفيران"، ليقول طارق بأنّه يريد الخروج مساءاً إلى صالة البلياردو برفقة أصدقائه الجدد، وما كان لحياة الا أن تهزّ برأسها، كالذي يهزّ برأسه على ميتٍ لا أمل في عودته الى الحياة.
 

خرجت حياة لتوصيل أبنائها إلى المدرسة، كان الشارع مزدحماً بمظاهرة، سألت شرطيا: هل المظاهرة لأجل فلسطين؟ أجاب: لا لأجل مباراة أمس!!

كانت حريصة على بقاء النظام في معيشة الأبناء، فكانوا يحترمون ساعات النوم والأكل واللعب مشاهدة التلفاز، وأثناء مشاهدتهم للتلفاز ذاعت القناة الإخبارية عن حالة القصف الشديد على قطاع غزة، فسألت ريم والدتها:"ليش العرب ما بساعدوا فلسطين؟"، أجابت حياة بأنّ ذلك سيكون قريباً، بعدما وضعت التلفاز على قناة أفلام الكرتون.
 

 وفي الصباح التالي، خرجت حياة لتوصيل أبنائها الى المدرسة، كان الشارع مزدحماً بمسيرة تحتشد بالمواطنين يصرخون بأعلى الهتافات، توقفت بالقرب من دورية الشرطة تسأل عن سبب الاعتصام، فقال الشرطي:"هون فيه مظاهرة"، ردّ الجميع باندهاش: "عشان فلسطين؟؟"، أجاب الشرطي:"لا عشان مباراة مبارح، الحكم طلع ابن ح… وأعطى الخصم ضربة جزاء ظلماً وعدواناً"!
 

في ذات اللحظة، كانت حياة قد قررت الرجوع إلى ألمانيا، لأنها لم تقدر حتى على منع أبنائها من اكتساب ثقافة السوق أو التقاط الألفاظ البذيئة. وبعد ترتيب عدّة السفر وأثناء طريقهم إلى مطار الوطن، أخرج طارق مرةً أخرى الشريط وأعطاه للسائق كي يستمعون اليه، ثم قال السائق لحياة: "قولتك يا مدام ليش ما بحطّوا هالشريط بالتلفزيون؟".
 

كانوا على وشك الوصول من مطار الوطن، وإذ بحياة تقول لسائق التكسي: "وقف! وقف"، استغرب السائق من طلبها وسألها ما إذا كانت ترغب في الاستمرار أو تريد العودة. وهنا وقفت حياة حائرةً بين سؤالين" هل أعود الى الوطن، أم أرجع الى ألمانيا؟
 

لا يتبع.. التكملة مجهولة..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.