شعار قسم مدونات

السلطوية الانتخابية وديمقراطية الواجهة

A voter casts his ballot at a polling station in Rabat, Morocco September 4, 2015. Morocco's ruling Islamist party on Friday faced a major test of its dominance as polls opened for local elections for which most opposition parties have campaigned on anti-corruption platforms and against privileges for the elite. REUTERS/Youssef Boudlal

تعتبر الانتخابات في التقاليد الديمقراطية لحظة سياسية مهمة ورهاناً سياسياً حقيقياً للمواطن في تغيير واقعه السياسي والاجتماعي، بل تعد من أهم وسائل المشاركة السياسية بما في ذلك مساهمة المواطن في صناعة القرار العام وصنع السياسات العامة.

غير أن هناك فرقاً شاسعاً بين الانتخابات في فضاء ديمقراطي برهانات وتنافس سياسي حقيقي مرتبط بتعدد البرامج والرؤى، وبين انتخابات تجرى في فضاء سلطوي وغير ديمقراطي، بل إن الأحزاب السياسية ستصبح مقاولات سياسية تقتسم الريع السياسي بمشاركتها في لعبة سياسية غير ديمقراطية وكآلية لتوزيع الكسب السياسي دون رهانات سياسية.

وما نلاحظه هذه الأيام، مع اقتراب الموعد الانتخابي 07 أكتوبر 2016 -وهي عاشرَ انتخابات برلمانية عرفها المغرب منذ تنظيم أول اقتراع تشريعي في مايو 1963- أن الرهان الذي تجتمع عليه الدولة والأحزاب السياسية هو المشاركة وتفادي استمرار العزوف الانتخابي عن العملية الانتخابية، خصوصا أن هذا العزوف عن المشاركة فضلا عن فقدان الثقة لدى المواطن في العمل السياسي يمس شرعية الدولة والأحزاب معا، ناهيك عن نمط الاقتراع الذي لا ينتج أغلبية منسجمة بل يؤدي إلى مزيد من البلقنة للمشهد السياسي.

وإذا كان دستور 2011 والقوانين التنظيمية المكملة له تحدثت عن مجموعة من المستجدات الدستورية، إلا أن هناك مجموعة من المعوقات البنيوية على مستوى الفضاء السياسي العام التي تحول دون تحقيق انتخابات ديمقراطية، ولعل أهمها:

أولا، السلطوية الانتخابية.

ثانيا، نمط الاقتراع وإشكالية البلقنة السياسية.

 ثالثا، سؤال الثقة والعزوف الانتخابي،

رابعا، اللوبيات الانتخابية وظاهرة الترحال السياسي (الميركاتو الانتخابي).

خامسا، المنظومة الحزبية وطبيعة البرامج الحزبية (أي غياب برامج ورؤى).

السلطوية الانتخابية
تقوم العملية الانتخابية في الأنظمة السياسية الديمقراطية على انتخابات نزاهة وشفافة تضمن التداول السلمي للسلطة والتي هي جوهر صناعة القرار السياسي، بحيث نجد هناك علاقة وطيدة بين العملية الانتخابية وقيام نظام سياسي ديمقراطي. ومن شروط الانتخابات الديمقراطية، نجد شرط المنافسة السياسية بين الأحزاب السياسية، وشرط النزاهة والشفافية، وشرط الوصول إلى مراكز السلطة وصناعة القرار السياسي والتداول فيه.

كما أن العملية الانتخابية في الأنظمة الديمقراطية، تعتبر لحظة سياسية مهمة للشعب في تأكيد اختياراته والتقرير في شؤونه العامة عن طريق اقتراع عام شفاف ونزيه.

على خلاف ذلك فإن وظيفة العملية الانتخابية داخل الأنظمة السلطوية تروم تجديد شرعية النظام القائم وتكريس ديمقراطية الواجهة، وبالتالي فإن التعددية الحزبية القائمة تكون تعددية شكلية داخل الحياة السياسية فحسب.

نمط الاقتراع وإشكالية البلقنة السياسية
لعل من أهم المؤاخذات التي وجهت للتجارب الجهوية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم، هو طبيعة التقسيم الترابي الذي يهمين عليه الطابع التحكمى والضبطي بدل المقاربة التنموية، حيث نجد أن التقسيم الترابي الجديد الذي يقسم المغرب إلى 12 جهة لم يخرج عن المقاربات التقليدانية القديمة، حيث تم تغييب مجموعة من الاعتبارات الجغرافية والاجتماعية والثقافية والتنموية.

إشكالية صناعة النخب تعد من إشكاليات المشهد السياسي المغربي المرتبطة بطبيعة المنظومة الحزبية وطبيعة التعددية الحزبية، وهي تعددية شكلية وليست على أساس الرؤى والبرامج

هذا إضافة إلى نمط الاقتراع باعتباره شرطا ضروريا من أجل تطوير فعال للمشاركة السياسية وإرساء دعائم الديمقراطية، لكن بالرجوع إلى القوانين التنظيمية للعملية الانتخابية، نجدها لا تسمح بوجود أغلبية مطلقة للحزب الذي حصل على أغلبية الأصوات الانتخابية، خصوصا مع تخفيض العتبة الانتخابية من 6 إلى 3% مما يسمح للسلطة المركزية من رسم وصنع الخريطة الانتخابية قبل أوانها.

هذا من جهة. أما من جهة أخرى فإن هذا الإجراء يعطي للسلطة صلاحية إضعاف أي حكومة تفرزها الانتخابات المقبلة في 07 أكتوبر 2016، مما يفرض على الأحزاب اللجوء إلى نسج تحالفات هجينة تفتقد أية مرجعية أو برامج حزبية الأمر الذي يؤدي إلى بلقنة المشهد السياسي.

سؤال الثقة والعزوف الانتخابي
بالرجوع إلى الإحصاءات الأخيرة لوزارة الداخلية، يتضح أن هناك عزوفا عاما وخصوصا لدى الشباب عن المشاركة في العملية الانتخابية، حيث يرجع مجموعة من الشباب أن هذا العزوف راجع إلى مجموعة من الأسباب منها فقدان الثقة في السياسيين وفي الأحزاب السياسية وغياب الشعور بجدوى العملية السياسية، وهو ما ترجمته نسب العزوف وضعف الإقبال على التسجيل في اللوائح الانتخابية، حيث يعتبر هذا الرقم من أضعف التسجيلات التي عرفتها الاستحقاقات الانتخابية الست الأخيرة.

وحسب بلاغ وزارة الداخلية فإن العدد الإجمالي لطلبات التسجيل الجديدة في اللوائح الانتخابية بلغ 500 ألف و305 طلبات، وهو رقم يكشف تدني نسبة المسجلين الجدد، وبالتالي فعدم المشاركة في العملية الانتخابية مرتبط بمشاكل سياسية واجتماعية وتعليمية، في مقدمتها غياب الديمقراطية على مستوى البيئة السياسية عامة ولدى والهيئات الحزبية والسياسية خاصة ، ثم سوء التوزيع وسوء التدبير على مستوى السياسات العامة وجعل الفوارق تشتد وتتسع بين أقلية محظوظة تحتكر السلطة والثروة وفئة عريضة تعاني جميع أشكال التهميش والهشاشة وغياب العدالة الاجتماعية.

اللوبيات الانتخابية و ظاهرة الترحال السياسي (الميركاتو الانتخابي)
في الوقت الذي كان ينتظر الباحثون والمهتمون نقاشاً متعلقاً بالتنصيص على المستوى التعليمي لرئاسة الجماعة أو رئاسة الجهة، نجد القوانين التنظيمية للجماعات الترابية لم تنص على هذا الشرط خاصة أمام الاختصاصات والمهام الموكولة للرئيس لتدبير الشأن العام المحلي. والسؤال الذي يطرح ذاته بوضوح في هذا الإطار هو المتعلق بمهام كبرى واحترافية في صنع السياسات العمومية والمساهمة في صناعة التشريع القانوني (وهو ملا يتصور من أمّي) لا يعرف القراءة ولا الكتابة.

إنه تكريس لمنطق الولاءات والقرابات العائلية، والإبقاء على ظاهرة الترحال السياسي التي اغتنت بالريع السياسي المفضي حتما إلى ريع اقتصادي.. وعلى بعد أسابيع قليلة عن الانتخابية التشريعية المزمع تنظيمها في السابع من أكتوبر 2016، نجد انتشار ظاهرة الترحال السياسي (الميركاتو الانتخابي) وهو ما يؤشر على هيمنة أجندة اللوبيات الانتخابوية وسلطة الأعيان والمال على الخدمة الحقيقية للمواطن.

 إنه منطق يكرس ممارسات سياسوية تؤدي إلى تمييع المشهد السياسي وبلقنته، وعاملا وراء عزوف المواطن عن العمل السياسي والحزبي عموما.

المنظومة الحزبية وطبيعة البرامج الحزبية
وتعد إشكالية صناعة النخب من إشكاليات المشهد السياسي المغربي والمرتبطة بشكل كبير بطبيعة المنظومة الحزبية وطبيعة التعددية الحزبية، هذه الأخيرة التي تبقى تعددية حزبية شكلية وليس سياسية على أساس الرؤى والبرامج، ناهيك عن غياب الديمقراطية الداخلية وضعف الولاء الإيديولوجي والالتزام السياسي نتيجة التمكين للأعيان وظاهرة الترحال السياسي، عوامل اجتمعت مع أخرى موضوعية ترتبط بالمناخ السياسي العام المزكوم أدت إلى انعدام الثقة وغياب الفاعلية وجاذبية العمل السياسي والحزبي، مما يزيد من اتساع الهوة بين المواطن والشأن السياسي بشكل عام.

ختاما، نقول، صحيح أن الوثيقة الدستورية لسنة 2011 جاءت بمجموعة من الصلاحيات والاختصاصات الجديدة مقارنة مع دستور1996. لكن لا يكفي في السياق المغربي أن نتوفر على وثيقة دستورية مكتوبة متقدمة عن سابقتها، كما لا يكفي وجود انتخابات دورية. لابد من دستور ديمقراطي في طريقة وضعه وشكله ومضمونه، ولابد من وجود فاعليين ديمقراطيين وثقافة سياسية ديمقراطية، ذلك أن الممارسة العملية تكشف عن وجود تصرفات تتجاوز الدستور ومنطوقه بشكل مباشر، وهو ما يعني أن هناك معوقات بنيوية تعوق التأسيس لدستور ديمقراطي وممارسة سياسية سليمة وانتخابات ديمقراطية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.