شعار قسم مدونات

الصحافة باقية.. والكلمة لا تموت

صحافة
في البدء كانت الكلمة، والكلمة -خاصة الكلمة الصادقة- لا تموت.. هذا الحديث يصدق في كل وقت وحين.

كلنا تقريبا سمعنا أو قرأنا أن التطورات التكنولوجية التي نتفيأ ظلالها ونعيش أوجها حاليا في ثورة وسطوة الإنترنت ستأذن بموت الصحافة، ليس في شكلها الورقي فحسب، وإنما في كل تجلياتها، لم لا والعالم كله تقريبا قد تحول إلى غرف أخبار يحملها الناس في أيديهم وتأتي لهم بالأخبار من كل فج، وتتيح لهم أيضا أن يبثوا ويذيعوا ما يريدون.

لكن ذلك كله لا يعدو أن يكون تفكيرا رغبويا (Wishful Thinking) وحكما سطحيا لا يقف على رجلين ولا على أساس متين.

وهذه الأفكار ليست جديدة، وليست وليدة اليوم، فعند ظهور الإذاعة قرأ الناس الفاتحة على الصحافة، ونفس السيناريو تكرر تقريبا مع ظهور التلفزيون وبقية المخترعات الأخرى ذات العلاقة.

الصحافة كمهنة وكدور ظلت ثابتة وراسخة وراجحة، بل استطاعت أن تفيد من التطورات التي تنبأ بسببها الكثيرون بموتها

لكن الثابت أن الصحافة كمهنة وكدور ظلت ثابتة وراسخة وراجحة، بل استطاعت أن تفيد من تلك التطورات في المزيد من التطوير لدورها.

واليوم يحدث هذا مع وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن بوعي جديد من قبل القائمين على وسائل الإعلام التقليدية وبإدراك كبير لطبيعة هذه الوسائط وإمكانياتها اللامحدودة.

أحدث ظهور وسائل التواصل الاجتماعي -التي تعتبر المنتج الأهم لثورة الاتصالات والإنترنت- أحدث نقلة نوعية وتغييرا كبيرين في طريقة الحياة لدى الناس، فبعد سنوات قليلة جدا من ذلك الظهور لم يعد الحصول على الأخبار والمعلومات مقتصرا على وسائل الإعلام المحترفة المتمثلة في الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون، حيث شكلت وسائل التواصل ما يمكن تسميته بالإعلام البديل أو الجديد بحسب التسمية التي أطلقت عليه فيما بعد.
 

وقد أسهمت سلطة أو سطوة وسائل التواصل الاجتماعي في تحول أعداد غفيرة من الجماهير إليها بحثا عما عرف فيما بعد بالإعلام الجديد، كما ساهمت طبيعة هذه الوسائل والإمكانيات التي توفرها في سرعة بث المحتوى وانتشاره بين الناس دون القيود والشروط التي تضعها وسائل الإعلام المحترفة ضمن ما يعرف بأخلاقيات المهنة أو أخلاقيات العمل الإعلامي.
 

وبناء على ما سبق بدأت تطرح العديد من الأسئلة والنقاشات المتعلقة بكيفية التعامل مع هذه الوسائل، وعلى وجه خاص بين القائمين على إدارة غرف الأخبار داخل مؤسسات الإعلام المحترف، خاصة في الجانب المتصل بمصداقية هذه الوسائل فيما تبثه من أخبار ومعلومات، وما يتم تداوله عبرها، ومن أهم هذه الأسئلة: هل بالإمكان الاعتماد على وسائل التواصل كمصادر للأخبار؟

استطاع القائمون على وسائل الإعلام التقليدية أن يفيدوا كثيرا من وسائل التواصل، فأصبحت عندهم في مرات كثيرة مصادر للأخبار، خاصة حين تنعدم المصادر الأخرى، ودونكم ما وفره الناشطون أو من يسمون بالمواطنين الصحفيين من مواد إعلامية إبان ثورات الربيع العربي، ولكن تلك الإفادة تمت بعد إعمال المعايير والموجهات التي تضمن الدقة والمصداقية وتحقق الوظيفة المطلوبة من وسائل الإعلام.

الصحافة في معناها الأشمل بتقاليدها وبمعاييرها المهنية ومرونتها في الإفادة من كل جديد وتطويعه لما تريد ستظل في المقدمة حتى إشعار آخر

وسائل الإعلام التقليدية لديها ما لديها من خبرات خاصة بالتحقق والحكم على الأخبار والموضوعات الصحفية راكمتها عبر عصور من الممارسة المحكومة دوما بتقاليد يلتزم بها الجميع تقريبا.

وثمة جانب آخر فيما يخص إفادة وسائل الإعلام التقليدية من وسائل التواصل وانتشارها، وهو الجانب المتصل باستخدام هذه الوسائل كوسيلة لنقل المحتوى إلى الناس حيث هم. ليس من وسيلة إعلام محترفة في يومنا هذا إلا ولديها منصاتها على وسائل التواصل المختلفة، تحمل رسائلها ومحتواها وتقصد الناس في بوادي فيسبوك وتويتر وأخواتهن.

في عام 2007 شاركت في مؤتمر الحوار العربي الألماني بالعاصمة الأردنية، وكان موضوعه الأساسي: مدونات الشباب ووسائل الإعلام التقليدية.. متنافسون أم حلفاء؟

الآن وبعد مرور ما يقارب العقد من ذلك التاريخ، وما صحبه من بروز أكبر وأوضح لوسائل التواصل، أقول إن الصحافة في معناها الأشمل بتقاليدها وبمعاييرها المهنية، وبمرونتها في الإفادة من كل جديد وتطويعه لما تريد ستظل في المقدمة حتى إشعار آخر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.