المثقف الإقطاعي

مثقف إقطاعي 2
الإقطاع عُرف كمفهوم اقتصادي اجتماعي سياسي، انتشر في أوروبا في القرون الوسطى، ويرتكز على ثلاثة أركان: قطعة أرض، ومالك الأرض، والفلاح الأجير أو المملوك. والمالك هنا يملك الأرض والعاملين عليها، وليس لهم إلا بعض الطعام ومكان للمبيت في أفضل الحالات، ويجني الإقطاعي أرباح الحصاد كاملة، بينما يكدح الفلاح ليعيش فقط.
 
كنت مذهولا من بعض الأسماء التي رأيت؛ مثقفين ومشايخ، وبعضهم يعمل في سلك القضاء ويحصل على درجة الدكتوراه دون أن يكتب فيها حرفا واحدا

قبل سنوات زرت أحد الأصدقاء في إحدى الدول العربية، وبعد جولة في مكتبات المدينة أخذني إلى مكان عمله، عبارة عن شقتين تشغل طابقا كاملا في عمارة جديدة، فيها عدد من المكاتب، ربما سبعة، الكتب مكدسة في أماكن متفرقة، وتبادر إلى ذهني أنني في مركز أبحاث، ولكن صاحبي فاجأني بقوله هنا نكتب العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه وبعض الكتب المنشورة لأسماء مشهورة!

قبل هذا كنت أسمع عن الذين يدفعون لمن يكتب لهم الأبحاث والكتب، ولكنها أول مرة أشاهد فيها مكانا متخصصا لهذه الأعمال، كنت مذهولا من بعض الأسماء التي رأيت، مثقفين ومشايخ وبعضهم يعمل في سلك القضاء يحصل على درجة الدكتوراه دون أن يكتب فيها حرفا واحدا!
 

شرح لي صديقي كيف كانت حالته المادية حينما كان يعمل معيدا في الجامعة، بالكاد كان يكفيه الراتب لتغطية مصاريف المواصلات، لكن حينما ترك الجامعة وافتتح هذا المشروع مع عدد من أصدقائه استطاع أن يستأجر شقة ويدخر بعض المال كل شهر ليكمل الدراسات العليا في إحدى الدول الغربية.
 

يرى صديقي أن ما يقوم به عمل مشروع وليست فيه أي شائبة أخلاقية، ويحتج بأن وظيفة الكاتب الخفي (Ghostwriter) أو الكاتب البديل معروفة في الدول الغربية ومشهورة. وأجدني أعذر صديقي ولا ألومه أبداً، رغم الاختلاف والفارق الكبير بين ما يقوم به وبين وظيفة الكاتب الخفي، فالكاتب الخفي يستعين به كثير من الساسة والشخصيات المشهورة لكتابة سيرهم الذاتية وتحريرها، وهو تحرير أقرب منه للتأليف، فصاحب السيرة يملي مذكراته على الكاتب، والأخير يعيد صياغتها بأسلوبه. 
 

"المثقف الإقطاعي" ذاك الذي يستغل حاجة الباحثين الصغار إلى المال ليكتبوا له المؤلفات والأبحاث ثم ينشرها باسمه

بعد سنوات من هذه القصة اقتربت أكثر من عالم المثقفين والكُتاب، تعرفت على أنواع مختلفة من المثقفين، كان أتعسهم ما أسميه "المثقف الإقطاعي"؛ ذاك الذي يستغل حاجة الباحثين الصغار إلى المال ليكتبوا له المؤلفات والأبحاث وينشرها باسمه، ثم يخرج في وسائل الإعلام ليحلل ويلقي المحاضرات حول الموضوعات التي اشتراها ونشرها باسمه.
 

أما ما يدمر الثقافة العربية في وقتنا هذا فهو سيطرة المال عليها حتى في حقل الدراسات الأكاديمية، فارتبطت المعرفة برأس المال. وقد أدى فساد الجامعات وضعف أجور الباحثين والأكاديميين في كثير من الدول العربية إلى حالة أشبه ما تكون بالإقطاع، حيث يستغل أصحاب رأس المال حاجة الباحثين المادية ليوظفوهم في إقطاعهم الثقافي.

حينما ناقش غرامشي إشكالية المثقف كانت من خلال تفاعل المثقف مع المجتمع وقدرته على التغيير والتأثير، وهو ما أسماه المثقف العضوي. أتساءل: لو رأى غرامشي حالة خداع "المثقف" لمجتمعه وهيمنة المال على الثقافة، فبم سيصف هذا النوع من "المثقفين"؟