من قرى العزاب إلى مدن العوانس

blog- الطفل الواحد

تجمعنا كفة الإفراط والتفريط، وتفرقنا النقطة الفاصلة بينهما، مجتمعاتنا العربية وغير العربية تتوهج في أعماق عقد تشكلت بأنسجة تحكها منظمات وأفراد حكام بصائرهم لا تستطيع رؤية إلاّ الأرقام والشفرات والصورالزيتية بألوانها الغامقة، فمعاجم الإنسانية، الضمير، الحرية، الاستئذان والحرمة.. كلها تُركت منذ عهود بعيدة،  شبكاتهم البصرية التي يتوارثونها تحولت جينيّا فلم تعد تبصر كل جميل تقبله الفطرة السليمة..
فجميلهم يرهقنا، وجميلنا يخنقهم..

عندما نتحدث عن كفة الإفراط ستجدها بحلتها البراقة في أكبر الدول تقدما واقتصادا وبشرا وهي تتجسد في القوانين الصارمة التي مارستها جمهورية الصين الشعبية في تنظيم الأسرة وهي سياسة الطفل الواحد ومن بين أهدافها السيطرة على الهندسة المجتمعية للصين وتخفيف المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فالغاية الأساسية لهذه السياسة هي توفير حياة مريحة لكل أفراد الشعب الصيني.

سياسة الطفل الواحد في الصين تمثل عودة المجتمع المتقدم إلى وأد البنات في عصر التكنولوجيا والعولمة، إنها عادات جاهلية منعت 250 مليون حالة ولادة منذ تطبيق هذه السياسة 

وهذا في ظاهره مثير للإعجاب، ولكن يجب أن نتعمق أكثر، فبتطبيق هذه السياسة منذ 1978 أصبحت العديد من الوقائع مثيرة للجدل أولها الطريقة الإجرامية التي تم تنفيذ هذه السياسة بها وهي العقوبات التي تصيب الأسرة إن خالفت السياسة العامة للدولة وتتمثل في طرد الأب من عمله إن كان يعمل بالقطاع الحكومي ودفع غرامة باهظة لا تستطيع العائلة توفيرها أو هدم المنزل أو فقدان المولود الثاني الحق في الانتفاع بالخدمات الحكومية مثل الصحة والتعليم .

وكل هذا لا يقارن بعودة المجتمع المتقدم إلى وأد البنات في عصرالتكنولوجيا والعولمة، إنها عادات جاهلية منعت 250 مليون حالة ولادة منذ تطبيق هذه السياسة إلى عام 2000م بطريقة الإجهاض القسري نظرا لرغبة الأسر بالابن الوحيد ذكرا .

كل هذه الصرامة كانت ثمارها معاناة شعب في حاضره وماضيه والعجيب في الأمر أن المعاناة الأكبر في مستقبله،  حيث أثبتت الدراسات التباين الكبير بين عدد الذكور وعدد الإناث الذي سيؤدي إلى وجود 25مليون رجل صيني في سن الخصوبة دون زواج لعدم وجود الزوجات مما أدى إلى وقف هذه السياسة سنة 2015م ولكن القرار كان متأخرا جدا.

فهذه الكفة من التشدد والإفراط في سن قوانينها التي أرهقت الشعب الصيني تجتمع في ثمرتها في الكفة المقابلة وبالصورة العكسية وهي كفة التفريط في أرض أقل عدد سكان من الصين ومساحة أصغر من شقيقاتها لكنها أرض ملهمة مغرية، أرض لها أصول،  لها عبيرها الخاص ..حكامها لم ولن يقدّْروا أبدا قدسية جمالها ..جعلوها زينة فقط للأجنبي على حساب أصالتها وإحتشام نسائها ..كانت أوائل إصلاحات أحد حكامها هو نزع "السفساري "عن هيبة وجسد تلك المرأة رمزا للتطور والحداثة والتقدم ..هذا رائع جدا في ظاهره ..

لكن هل فكر أحد في كومة الفراغ الذي اخترق تلك الحضارة الزيتونية التي هدمت في رمشة عين؟
عدنا إلى نفس العلّة التي نجني بها ثمار العقد الإجتماعية فقد أصبحت ابنة الخضراء اليوم في حلقة المعاناة والتيارات المتجاذبة من مدعي الحرية الكاذبة، الحرية التي ستثقلها بمزيد من المسؤوليات التي تفقدها كل أنوثتها .

على السياسات أن تحترم أصول وحضارات وخصوصيات المجتمعات، وهو ما عبر عنه الإسلام بالحرمات 

فعملية الانسلاخ التي تعرضت لها كثير من نساء اليوم ومن بينهنّ ابنة الخضراء أمام بيانات رسمية حكومية تكشف عن ارتفاع نسبة العنوسة إلى 60 بالمائة بعد أن كانت 50 بالمائة في آخر دراسة أجريت خلال 2008.

ليست المشكلة في دعوتنا إلى التحضر وتنظيم المجتمعات والأسر وليست قضيتنا في لباس معين بل بالعكس كل ما يجعل الإنسان متطورا أكثر ومنفتح على الحضارات يجعله في أرقى حلته وأكثر نضج لكن القضية تكمن في احترام لشخص الإنسان وحريته وحفظ كرامته .

وكذلك يجب على السياسات أن تحترم أصول وحضارات وخصوصيات المجتمعات وهي ما عبر عنها الإسلام بالحرمات فالسياسة الإسلامية في عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حققت أعلى نسب التوازن الإجتماعي على الإطلاق ببعدها عن كفة الإفراط وكفة التفريط وضمانا لسلامة الجميع بتطبيق سنن الله في الكون وهي وحدها تستطيع التأقلم مع هذا الكائن البشري العجيب فنقطة الإعتدال هي الشفرة السهلة الممتنعة .