خطوتي الأولى في رحلة البحث عن الكلمات

blog كتابة

انتزعت نفسها من تلك الغرفة البعيدة.. لبست وشاحها.. وضعت طفلها في كرسي السيارة وبكت بينما كانت تزور شوارع المقاصد المعتادة.. بكت لأنها اشتاقت لشيء لا تعرف إن كان يمكن لها العودة إليه دون أن تسحب بعضا من قلبها الذي يتوسده طفلها النائم.. 

كيف لها أن تمضي لشيء آخر وقد اعتادت أن تهب كل ما تملك لقضية واحدة.. كيف لها أن تجد قدميها المزروعتين خلف الباب الذي سيعود إليه زوجها مع نهاية كل يوم..

ابتسمت حين تسللت صورة زوجها العائد للمنزل لشاشات مخيلتها وركضت خلف طفلها الذي وجد لنفسه مكانا في إحدى خزائن المطبخ..همست لنفسها : غدا سأعاود المضي في رحلة البحث عن الكلمات..

كيف لها أن تخط حرفا آخر في قصة هجرتها منذ زمن.. كثيرا ما أرادت أن تمسك القلم وتروي ما لا تقدر على نطقه.. إلا أنها مرة بعد مرة أدركت أنها قد فقدت كلماتها.. كلماتها التي كانت دائمة التأرجح في بستان أفكارها المصطفة بنفاذ صبر خلف بوابة البوح.. لترسم بالقلم وجوه الجمل التي لم يسبق لها أن ولدت..
 

كيف لها أن تخط حرفا آخر في قصة هجرتها منذ زمن.. كثيرا ما أرادت أن تمسك القلم وتروي ما لا تقدر على نطقه.. إلا أنها مرة بعد مرة أدركت أنها قد فقدت كلماتها

أستطيع رؤيتها الآن تتكور في زاوية من زوايا الملل تبحث عن شيئ فقدته ولا تعرف ما هو.. سر كان يغفو على غصن وليد بين أشجار قصصها الطويلة.. ويختبئ في حشو وسادتها التي كانت تحب أن ترخي رأسها عليها قبل أن تفتتح طقس قراءة كتاب..

كيف لها أن تعود وليس في جعبتها سوى ورقة متسخة بالزيت عليها خطوط تشرح اعداد وصفة طعام لم تتقنها رغم محاولات مضنية.. زائفة.. ومنتهية الصلاحية..
 

كيف لها أن تعود لما هجرته في ذاتها حتى ظنت أنه قد مات بهدوء دون أن تلحظ بينما كانت لاهثة خلف مهامها المعتادة والمكررة.. التي لم تنجزها يوما..

مرات كثيرة بحثت لكنها وبعد عدة محاولات وجدت أن ما كان بستانا لاصطفاف أفكارها ومعملا لرسم جملها بات مساحة لغرفة إضافية غريبة الأبعاد بنيت على عجل لاستيعاب ما فاض من صناديق أحلام غير مكتملة النمو.. وأهداف مبتورة الأطراف..

لم تعد تسعى لشيء لم يسبق لها تجربته منذ زمن بعيد.. حتى أن زوجها بات يبتسم حين تحادثه بمشروعها القادم.. بات يعرف جيدا أن قدميها الصغيرتين لن تأخذاها خارج عتبات منزل فاض ببكاء طفل جميل..

نفضت البنطال المبلل قبل نشره وقالت بصوت مسموع: لابد أن أتابع البحث.. فكرة واحدة تكفيني.. جملة واحدة.. وبعد كثير من اللحظات تمتمت: أحتاج لعلاج عقم الكلمات.