حد الرجم بين إجماع السابقين وأقوال المتأخرين

blogs - stoning
كل من تكلم في نفي حد الرجم من الأسماء الشهيرة من العلماء وطلبة العلم ممن انتقل إلى جوار ربه أو لا يزال على قيد الحياة؛ هم جميعا من المتأخرين. لم يحصل جدل بين المتقدمين إزاء حد الرجم.

تعليقات بسيطة تكشف ابتعاد أولئك العلماء عن المناقشة الموضوعية لهذه المسألة رغم حرصهم -بلا شك- على دين الإسلام:

1. أن تنقضي قرون في مسألة شهيرة بأدلتها واجتماع كلمة العلماء عليها غير متصوَّر، ولا يمكن قدرا وسنة كونية أن يترك الله الناس قرنا أو قرونا دون أن يكون هناك من يبين ويجلي القول المخالف وإن كان اختيار القلة، فإن الحق بالحجة لا بالكثرة.

نفي حد الرجم منشؤه تفكير عاطفي مقاصدي لدفع ما ينسب للدين من العنف والقسوة، وأبدى ذلك الشيخ أبو زهرة حين قال للشيخ القرضاوي "يا يوسف، هل معقول أن محمدا بن عبد الله الرحمة المهداة يرمي الناس بالحجارة حتى الموت"؟

2. من الواضح أن بحث أولئك الأفاضل واختيارهم رفض حد الرجم؛ ذو منشأ تفكيري عاطفي مقاصدي – وإن أغرق في المقاصدية بما لا يحقق مصلحة ولا يدرأ مفسدة، إلا عاطفة أولئك الأفاضل تجاه ما ينسب للدين من العنف والقسوة – وأبدى ذلك الشيخ أبو زهرة حين قال للشيخ القرضاوي "يا يوسف، هل معقول أن محمدا بن عبد الله الرحمة المهداة يرمي الناس بالحجارة حتى الموت".
وهو السبب الأقوى عند أولئك الأفاضل، وله يحشدون ويكيفون ما يعتري النصوص من ظنية الثبوت وظنية الدلالة، رغم أنها لا تسعفهم مع تضافرها وتواطؤ القرون على اعتماد دلالتها قرونا من ثبوت الرجم للزاني المحصن بشروطه المعلومة.

3 . أنصح بالدراسة والاحتفاف بتفسير العلامة السعدي رحمه الله ، من مقدمي الشافعية في جزيرة العرب ، انتهج في تفسيره طريقة بديعة يثبت فيها الأحكام الجلية في الإسلام على وجهي القول بحصول النسخ أو عدم حصوله .

4. أن النبي صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة ، لكنه وحي يوحى ، أشاح بوجهه عن الغامدية ، وأمر المسلمين بالستر على المذنب وعدم إيصال فعله إلى القضاء. وكان يغضب إذا انتهكت محارم الله ولا تأخذه في الله لومة لائم.

5. رغبة أولئك الأفاضل في الدفاع عن الإسلام بإنكارهم حد رجم المحصن غير مجدٍ، لأن أحكام الشريعة فيها من الحزم والإغلاظ في الحكم في مسائل كثيرة معلومة مجمع عليها ثابتة غير هذه، كقطع يد السارق وأحكام الحرابة وحادثة العرنيين وسمل أعينهم وإماتتهم صبرا تحت الشمس، وهي لأمور شنيعة تفعل من قبل أولئك اقتضت أن ينالوا الجزاء الرادع لهم ولأمثالهم .

6. أن المتناولين لقضايا كقضايا حد الرجم لا يتناولونها بصورتها التي توجب الحكم عليها بهذا الحد، بل يكتفون بالقول بحد الرجم على الزاني المحصنلا، وهذا فيه افتراء لمن تعمد ، وزلل وخلل فيمن تناولها كذلك بلا تعمد ، والبيان بمقدمة ثم نتيجة ، على النحو الآتي:
المقدمة:
إن إثبات القضاء يكون بشاهدين عدلين، غير أنه في جرم الزنى نلاحظ ما يلي:
أولا: الأصل في الزنى ألا يثبت قضاء لا في حق المحصن ولا غير المحصن إلا باعتبارات، الأولى في العدد بأربعة شهود عدول يرون الجرم معا ، والثاني في كيفية ثبوت الجرم بشهود الأربعة ، وهو أن يكون برؤية الميل في المكحل لا مجرد الخلوة ولا المفاخذة ولا المداعبة بما دون الجماع ، فإن رأى ثلاثة الميل في المكحل ولم ير الرابع فلا يثبت قضاء ، وهذا من أصعب ما يمكن كشفه برؤية أربعة شهود عدول لفعل جرم لا يفعل عادة إلا في تخف وحرص من الجاني ألا يراه أحد .

ثانيا: أن حكم الرجم لا يكون إلا في الزاني المحصن والزانية المحصنة .

ثالثا: أن حكم الرجم في الزاني المحصن إنما يكون لعظم أثره في نسبة ولد الزنى إلى الفراش فتختلط الأنساب وهي من الضرورات الخمس ، في حين أن الزانية غير المحصنة لا تستطيع أن تنسبه إلى فراش رجلٍ ما فهي ليست تحت فراش رجل بعد .

ترك الجرائم دون عقوبات رادعة يؤدي إلى فوضى المجتمع وخطورته بما يفضي إلى تفككه وهجرة الناس منه خوفا على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم

النتيجة :
مما سبق ، نعلم أن صورة حكم الرجم لا تقع فقط على اعتبار مجرد فعل الزنى بل معه اعتبارات تستنبطها من الصورة التي شرحناها سابقا في حكم من يستحق الرجم ، فيكون حكم الرجم بشروط :
1. أن يكون الزاني محصنا ، فهو بذلك يتسبب بخلط الأنساب إن تخفى بفعلته ونجا "وهذا خطير".
2. أن يكون مجاهرا أو في حكم المجاهر ، وغير مبال ومجترئا يفعل الفعل دون خوف أو تخف أو استتار ، ذلك أنه يرتكب الجرم بما يمكّن شهود جرمه بأربعة من الشهود العدول ، وبوضعية يتمكن بها الشهود رؤية الميل في المكحل!!
ومثل هذا أشبه بالمجترئ على حدود الله زاد على زناه الاجتراء فيه . فإن لم يتم ردع هذه النوعية من الزناة فسينتشر الزنى في الطرقات ودون تخف ، وقد ورد في بعض الأثر أن من علامات آخر الزمان أن يزني الناس على قارعة الطرقات فأي جرم أبشع من ذلك .

وما دون هذا الاجتراء والوقاحة في ارتكاب الجرم ، لا يمكن في الأحوال الطبيعية رصد الجرم بأربعة شهود إلا نادرا، بل ربما لا تحصل في مجتمع بحالة التخفي ، وإن حصلت فمرة في جيل من أجيال مجتمع ما . فيتبين أن قسوة الحكم من عظم أثر الجرم فعلا وكيفية ثبوته قضاء تبين ذلك وتوضحه.

ومثل ذلك في قطع يد السارق حين تشترط السرقة من حرز ، فمن قصر في حق ماله ولم يحرزه ، حتى لو قبض على الجاني لا يحكم بقطع يده لأنه سرقه في غير حرز . فيشعر أن ثمة مقاصد لهذا الحكم القاسي بقطع يد السارق من حرز أبعد من مجرد أخذ مال الناس خلسة فهو يحفظ حرمات البيوت وأعراضها أن تنتهك من المقتحم عليها للسرقة من الحرز "المقصود بالحرز أي حماية، فيكون في صندوق أو في مكان مخبأ داخل بيت أو دكان أو بناء"، كما أن في السرقة من حرز مع مظنة كشف ستر البيوت وحرماتها ، مظنة أن يعمد السارق إن كُشف إلى ارتكاب جرم القتل مثلا حتى لا يُكشف أو يلقى القبض عليه .

وترك مثل ذلك دون عقوبة رادعة قاسية ستجعل الناس تأكل مال بعضها بل وتتهارج ويقتل بعضها بعضا مما يؤدي إلى فوضى المجتمع وخطورته بما يفضي إلى تفككه وهجرة الناس منه خوفا على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم. تناول حد الرجم بشروطه وصورته وضوابطه تزيل أوهاما تقع في نفس من يرى أن الحد فيه ما يضاد الرحمة، والله تعالى أعلم.