تُنسى كأنك لم تكن

blogs - darwish
تعالجنا ذكرى رحيل الشاعر الكبير محمود درويش.
سنوات قلائل مرت علينا، وأنا في كل حول منها أسُائِلُ روح الفقيد: كم من السنون ستمر حتى تُنْسَى، كأنك لم تكن شخصاً، ولا نصّاً؟ ربما أحسست هذا العام أن ذكراك أفلت خلف طيف الأحداث .. فأحببت أن تكون مدونتي الأولى سردا شعريا خططته قبل أعوام ثمانية حين داهمني خبر رحيلك، ولربما هو ليس بالسرد الوحيد الذي تدفق في ذات اليوم.
لك ولنا الله يا شاعرنا الكبير …

قبر بعيد جدا
9 آب 2008

يا سيدي إن الفؤاد مُـزدادٌ تجوفُهُ
يملي على وَحيي قَصيداً كَم بالكادِ أعرِفهُ
سَقتْ بحورُ الشعر الصَمتَ ساعاتٍ وساعاتٍ
حتى تمادت على الأوراقِ والأقلامِ أحرُفهُ
ورُحتُ أسبحُ في الأشعار كي أصطاد قافيةً
فأذا الإبحار في العُظماءِ خوفاً صِرّت أرجِفهُ
مددت يدي بغاب الشعر أبحث عن مُصافِحها
ويد المنيـّة إستـبقتـنِ للغابات تقطِـفُهُ
على ضفافِ غاب الشعرِ نهرٌ من مأآسينا
وفي الغاباتِ شلالٌ من الأحزانِ نَذرِفهُ
هل جاء حَتفُكَ في أركانِ هذا البُعدِ يُسعِفنا
أم أن قلبكَ المجروحِ يَنـزَحُ، من سيسعفهُ؟
وللقدس ركنٌ في آدابِ شِعرِ السِلمِ والحربِ
وفي محراب ذاك الركنِ، أمامٌ، من سيخلفهُ؟
وخبز أمك المحزون مات يَحنُّ مَخبَئـهُ
بريحِ الموتِ يَبُسَ الخُبزُ، والأمطار تَعصِفُهُ
وفي بلادٍ قد جسّدت في الأوراق موقِعها
قبر بعيدٌ، لا تدري هل الجُثمانُ يَعرِفـهُ؟

وخبز أمك المحزون مات يَحنُّ مَخبَئـهُ

بريحِ الموتِ يَبُسَ الخُبزُ، والأمطار تَعصِفُهُ

وفي بلادٍ قد جسّدت في الأوراق موقِعها

قبر بعيدٌ، لا تدري هل الجُثمانُ يَعرِفـهُ؟

قضايا الشعرِ والأدباءِ تخجَلُ من مُحبيها
وأرضُ الله في الديوانِ تَدفَعُ عنه موقفهُ
قد كُنت تعلن أمر الحق في التحرير بالقلم
وقلاعُ ظُلمِ ظَلامِ الناسِ بالأشعارِ تَقصِفُهُ
ألم تخجل ودمع الأم يهوي إذ تودعها؟
ملاكُ الموت، هداك الله،لم تقوى لتصرفهُ؟
قالوا فيك، عنك، اليك، ما للقول مُنكَبِتٌ؟
بكى الرحيلُ، وقبلَ النُطق، إذ بالدمعِ يُجْحِفُهُ
أمير الحبِ والشعراءِ، رَجِعنا في روائعكِ
الى حنينٍ للأوطانِ تَعرفُ كيفَ تَخطِفهُ
وبين ستار الموتِ أَقمتَ والأحزانِ موطننا
وجعلت تمحوا بالكلمات يأساً لا تخوّفُهُ
هذي جراح السفر فيك ما تبغي مكابرةً
ضمضدها بقصيدِ الخُلدِ، ما مَصّلٌ يرادِفهُ
بفناء بيتٍ كان يعرف بأسم القدس تَحميها
جلستَ تشدواْ، والعدو بسيف لا يُسايِـفُهُ
وإذ كلماتِ هذا الحق أوسعُ من مآذِنِها
وإذ سرطان ذاك القُبحِ يشكوهُ تجوُفُـهُ
درويش إن سواد البُنِّ فَوقَ النعشِ يُخجـِلُنا
حياءُ البُنِّ صَعبُ الوَصفِ، ليس سواك يوصفُهُ