الموروث.. أصل الهدم

blogs - peo

قال ياقوت الحموي "اجتزت ببلد من بلاد فارس فوجدتها عامرة بالناس، رائجة الأسواق، ثم عدت إليها بعد سنوات قليلة فوجدتها خرابا قد هدّمت مساكنها وخلت من أهلها، فسألت عنها.. فقالوا: كانوا طائفتين، شيعة وسنة، فتقاتلا حتى انهزم الشيعة وبقي السنة، ثم كانت السنة طوائف، منهم الحنفي ومنهم الشافعي، فتقاتلوا حتى انهزم الحنفية، ولم يبق سوى بيوتات من طائفة الشافعية". 
هكذا كان حال أهل الإسلام وما زالوا بهذه الحالة حتى يومنا هذا، فإذا نفق حمار في مناطق العرب وبين بيوتات المسلمين قلنا قاتل الله اليهود كانوا السبب في قتل الحمار، ولو نظرنا خلفنا لوجدنا أن المسلمين في حرب ضروس قد حمي وطيسها بين بعضهم البعض، الكل ينتصر لفكرته ولرأيه ولمذهبه ولجماعته ولشيخه ولحزبه، بل حتى للون حذائه. 

الالتزام بموروثات ليس لها أصل شرعي أو ديني، أو التمسك بالعرف ولو كان خاطئا حتى لا يقول الناس عنا كذا وكذا هو أصل الهدم في وحدة الأمة

قال مشايخنا، قال علماؤنا، قال ساداتنا، هكذا عشنا، هكذا تربينا، هذه عاداتنا، هذه تقاليدنا، وكيف نفعل هذا وذاك، وكيف يقول الناس عنا، كل هذه الأمور الموروثة التي انتقلت من جيل لآخر لا أسميها سوى طأطأة.. 
طأطأة للعقل..
طأطأة للدين..
طأطأة للفكر..
طأطأة للحق..
فبقدر هذه الطأطأة ستحجب عنك الحقيقة، لكن إن رفعت رأسك فستراها أوضح، وكلما ارتفعت كانت الحقيقة ماثلة أمامك.

رمي المخالف مهما كان هذا المخالف، والالتزام بموروثات ليس لها أصل شرعي أو ديني، أو التمسك بالعرف ولو كان خاطئا حتى لا يقول الناس عنا كذا وكذا هو أصل الهدم في وحدة الأمة وتماسك المجتمع وتكاتف الكلمة واجتماع الحق، وما كان هذا الأمر إلا بسبب أمور أشربها القلب والعقل شربا وهو لا يدري صحيحة أم خاطئة، وكيف يتخلص منها لو كانت خاطئة، فتراه يقول: التعايش مع غير المسلمين وهو يقدح في جاره المسلم لأنه على غير مذهبه، وتراه يمد يد العون لمن يضربه على قفاه ويترك من يبني له جسرا ليمشي عليه بسبب أنه ليس من حزبه، وهلم جرّا.

وما هذه الموروثات إلا بسبب أخطاء قد عاشها المجتمع برمته، ومنها:
اعتقاد أن جماعته أو فكره أو حزبه أو رأيه هو الرأي الموصل لمرضاة الله، وأن الراية سوف تسلم من خلاله لإقامة الحجة على الناس، أو إقامة العدل في الأرض، أو حتى إقامة الخلافة في ديار المسلمين، وما يفعله ليس له دليل ولا يملك له رأيا بل يقول سمعت كذا، وعلمت كذا، ولو سألناه الحجة والدليل لسكت، فهو لا يملكه كما ذكرنا، فيرفض رأي الحنفي لأن رأي الحنبلي صحيح، ويرجح قول الشافعي لأن رأي الظاهري مرجوح، ولو وقف اختلافنا إلى هذا الحد لقلنا لا بأس، لكن ما تنتهي من فض مجلس الخلاف حتى يترامى الناس فيما بينهم أن فلانا قد فسق، وفلانا قد حاد عن الجادة، وفلانا قد ترك المنهج. 

أحد أسباب الموروثات الخوف من الاقتراب من أصحاب المراكز والرؤى والعلم، وإنزاله منزلة المعصوم المنزه عن الأخطاء فإذا قال فاسمع وأطع.

تغيرت حالة الأفراد المنتمين للكيان أو الحزب أو المذهب أو الجماعة التي كانت بدورها تؤدي خدمة للمجتمع وتخدم فيه إلى كونهم يحولون طاقات المجتمع وخدماته وقوته للتخديم على الكيان أو الحزب أو الجماعة فأصبح كل من له هوى في نفسه يسعى للاستحواذ على المجتمع من أجل الجماعة وليس العكس، وأصبح يرى أن مصلحة الجماعة مقدمة على مصالح المجتمع والوطن والأمة، وأن آحاد الشعوب وكيانات المجتمع واجب عليها أن تخدم الحزب والحركة والجماعة وإلا فهي ليست على الجادة أو طريق الحق.

الخوف من الاقتراب من أصحاب المراكز والرؤى والعلم، وإنزاله منزلة المعصوم المنزه عن الأخطاء فإذا قال فاسمع وأطع، ولو تأمر عليك عبد حبشي وكان رأسه زبيبة، ما دام أن هذا الرجل قد رضي عنه من كان قبلنا ويرضى عنه من معنا، ولو خالف العرف أو الشرع أو الفكر أو المجتمع فقط أطع، وما هذا إلا غيض من فيض من أسباب الهدم في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

فما تعلمنا أدب الخلاف ولا عرفنا أصل الطلب، وكل يدلي بدلوه فيما يعرف أو لا يعرف مخافة أن يغضب عليه من هو مسؤول عنه أو يبتعد عنه من يراه شيخا معصوما فيقع في كل ما سبق ذكره من أخطاء ومنكرات تصل لحد عدم قبول الرأي والطرف الآخر، بل لحروب ومشاحنات وتهديم وإضاعة للفرائض والفروض من أجل الموروثات التي لا أصل لها.

ولهذا نكرر .. الموروث أصل الهدم