شعار قسم مدونات

العرب وذاكرة السمكة

BLOGS-إيلان
أعتقد أن لا أحد على هذا الكوكب يتفوق علينا نحن العرب في سباق الذاكرة المثقوبة، ولا أدري هل يعود ذلك لكثرة مصائبنا وتتابعها مما أصاب ذاكرتنا بعطب مزمن، أم أن هذه الصفة ليست سوى نعمة إلهية نتجاوز بها مآسينا لنبقى على قيد الحياة.
 

ما أكثر الأحداث الجسام التي مرت على أمتنا العربية، وفشلت تلك الأحداث رغم كارثيتها في استفزاز ذاكرتنا وقدراتنا لنعمل على الحيلولة من تكرارها.
 

لذلك يبدو الضجيج الذي أحدثته صورة الطفل السوري عمران دنقيش وهو يخرج من تحت ركام منزله الصغير في حلب قد خف كثيرا بعد مرور عدة أيام، وهو ضجيج يشابه ما حدث مع الطفل السوري الأخر أيلان الذي قذفت بجثته الأمواج قبل أشهر إلى الشاطئ بعد محاولة فاشلة للهرب من جحيم الحرب في بلاده، وذلك ليس ببعيد عن صورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة وهو يحتمي بجسد والده من رصاص الجندي الإسرائيلي.

من الجيد أن يصحو ضمير العالم ولو لبعض الوقت لمأساة طفل سوري، فآلاَف الرجال والنساء والكهول الذين ما زالوا يسقطون على أرض سوريا، فشلوا في إيقاظ ذلك العالم منذ خمس سنوات.
 

منذ خمس سنوات لم يقدم العرب للثكالى من أبناء جلدتهم في سوريا شيئا يستحق الذكر، سواء كان ذلك سياسيا أو عسكريا

عالم يذرف دموع التماسيح على طفل جريح يظهر على الشاشة، ويغض الطرف عن مئات الأطفال الجرحى على ذات الجغرافيا الذين لم يسعفهم الحظ بأن يكون إلى جانبهم كاميرا توثق مأساتهم حين تتعرض منازلهم للبراميل المتفجرة.

هذه الانتقائية تعكس "شيزوفرينيا" سياسية يعاني منها العالم الغربي على وجه الخصوص، بعد أن علق بين ما بقي من إنسانية ساسته وبين مصالح بلدانهم الميكافيلية التي تبرر كل شيء في سبيل الوصول للغاية.
 

لكن ما لا أستطيع فهمه ويعجز عقلي عن إدراكه، هو ذلك النحيب وتلك البكائيات التي خرجت من بعض العرب على صورة الطفل عمران دنقيش، وكأنهم لأول مرة يشاهدون طفلا سوريا جريحا، ربما لأنهم اعتادوا على رؤية الأطفال السوريين وهم جثث هامدة، فبدا لهم مشهد عمران غير مألوف وغريباً بعض الشيء.
 

منذ خمس سنوات لم يقدم العرب للثكالى من أبناء جلدتهم في سوريا شيئا يستحق الذكر، سواء كان ذلك سياسيا أو عسكريا، فالجامعة العربية التي كانت بياناتها في الماضي مثار سخرية لأنها لم تكن تتجاوز الشجب والاستنكار، تحولت اليوم لمومياء لا ترى ولا تسمع، حتى إن البعض راح يترحم على أيام تلك البيانات.
 

لم يكن الخذلان العربي للقضية السورية سوى امتداد لخذلان عالمي أسقط شعارات الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان الزائفة التي سوقت لها أفلام هوليود وروايات باريس ولندن. لم نتعظ نحن العرب من تجاربنا الماضية، ولا سيما الكالحة منها، وما زالت أبصارنا شاخصة صوب واشنطن وغيرها من عواصم الغرب حين تصيبنا نازلة. ننتظر المدد للنجاة منها! حتى بتنا عاجزين كلياً عن حل مشاكلنا السياسية والاقتصادية وحدنا.
 

تبدو ذاكرتنا نحن العرب كذاكرة السمكة، أما مشروع وحدتنا فهو قصة قد تجلب الكوابيس لطفل ذهب إلى سريره لينام باكرا.