في محراب الوداع.. "داريا" صرخة تشبهني

blogs - Samar - Quatly
كل صباح يضيق الكلام بخالد ذرعاً محاولاً إقناعي بضرورة تدوين قصصي مع ليالي الحرب، ومللت وأنا أخبره أني أفضل الصمت على مذاكرة كلمات يسجد فوقها دمعي..
سيفاجأ خالد بتدوينتي هذا الصباح، هو يعرف أني لا أهوى أن أشارك القراء ذكرياتي وإن شاركتهم هواجسي، أطمئن بتفردي للألم ..عشت الكوارث وحيدة، كلهم عندما تنتهي الذخيرة يرحلون
شكراً لمن مات وتركني.

الآن أبدأ..

"داريا..مدينة صغيرة على أعتاب دمشق، لاتزال عصية على النظام منذ سنوات أربع" سنوات كان لرجالها بين الجبهات وقفة.. وفي التّيه وقفة في محراب الوداع

عن مدينة مخذولة لا أكتب وأنا في بذخ الخدود، سألت نفسي من أنتظر ليكتب عن هذه المدن؟ أولئك الذين يتمايلون فوق جراحنا على أنهم جرحى ببطون ظلت كل العمر عامرة، أو أنتظر حتى أرى في التدوينات مزلقاً مطليّاً بدمع يبكي على المدائن في ساعات الفراغ..

فلأخطّ قليلاً من صراخي المكبوت

داريا العارية..أكتبها بلاخجل، المدينة كما الفتاة تعرى وتُستَر، تطمئن وتخاف وتنفضح، هي جُلجلة صُلبت عليها الأرواح الجائعة، لجّة ماء تنادي..رفقاً بالقوارير.. 

أما بعد

مهلاً عليّ قرائي الكرام، أنا لا أكتب، بل أبكي وأضع في التدوينة بقايا الدمعات..لعل الخذلان تزوجني، وأنجب مني مدناً ثائرات خائبات، تغلغلت في حضني أكثرها، وضممتُ بعضها في عناق قصير فأتتني تستأنس إخوتها، على جبين الذكرى.

مدني المنكوبة تشبهني..وكلما كتبت عن إحداها اضمحلّت، (قدمي) نحس على كل مدينة ألفظها
فهجرتهنّ ولما يهجرنني، من المدينة التي رحلت عنها قبل أشهر"دوما" وانكفأتُ منذ رحيلي آخِذة دقيقة صمت مقدارها سنة ..لابسة ثوب حداد إلى ماشاء الله. 

نطقت حيالها باسم داريا وكلما تحاشيت ذكرها جاءني همسها خاشعاً في تقاريري بجملة أولى، قلتها بحنجرة مبلولة "داريا..مدينة صغيرة على أعتاب دمشق، لاتزال عصية على النظام منذ سنوات أربع" سنوات كان لرجالها بين الجبهات وقفة.. وفي التّيه وقفة في محراب الوداع، يبعثرون الناموس العابر فوق وجوههم.. عند الركام يودعون يصرخون مثل كل الراحلين .. سنعود

أنينهم لا يستهوي ذاكرتي الحافلة بحزن فاخر خمس نجوم، حتى صرت أتجرعه بلذة كأس من كافور
أنين ينطفأ في جسدي مع أول الرحلة حتى المشهد الأخير.. ذاك الذي جعلني أجهش بكاءً حارقاً جرّعني ليال مرة في الغربة رغم سكر الاغتراب.

السماء في شفقها، الشمس في غروبها، وداريا بلا بصمات، عند الباصات الخضر، يصعد أجناد داريا هادئين، ببزتهم العسكرية.. وما نفعها في هذه الرحلة إلا من رائحة تراب عالقة ستذكرهم بعد ساعات بأحجار بلدتهم المصهورة.
 

يجلس شاب نحيل منهك بجانب من كان قائد كتيبته قبل أيام ، ينطلق لحن من مسجلة الباص فيردد الشاب بصوت متشح بغبار الهجرة " أتذكر لما ودعتكِ يوماً وبكيت علي بلا إشفاق" يطالبون السائق برفع صوت السيمفونية، لا ينظرون لبعضهم، يتماهون باتجاه واحد كأنهم أمام قصيدة على شكل مدينة، في عيني كل واحد انسكاب من موت تمنى لو هو بالغُه، يتوسدون الأناشيد كأنها بيوتهم المسافرة.

لا يعترضون على المصور تصويره، ويقضون صلاة الميت أمام القبلة الأخيرة أبصارهم الماطرة سراً على سكك المدينة ستنشغل بعد ساعات بتوضيب مقامات حياتهم الجديدة، فكرت بقلق في لحظة الوصول..هناك لن يخالطهم أحد كوابيسهم، ولن يقاسمهم الآلام أهلٌ في إدلب لم يعرفوا الهدنة وإن شاركوهم المأوى واللقمة والبندقية.

ااه كم سيتبارز الرضا والندم، سيطوفون بلا حلم، سيدركون بعد ليلة أنهم تركوا قلوبهم فوق رمال المدينة، وجاءوا إدلب بقلوب عليها أقفالها، يستفزني ضيم الرجال، يكسرني أكثر مما يكسرني قهري
يفتح علي مليون نفس مخنوق فأسد على الأنفاس منافذها بلا مرحمة، وأفشل.. لأمضي عطلتي في النحيب، وأصنع قهوة يعجز سوادها أن يتصبغ بلون الرحيل في صدري.

لطفولتي ثلجٌ في كل مدينة من دمشق، ولصباي طيش هائل بطلول كل مدينة ثائرة..وقفتُ أمام قنابلها تكيد لي ويحلو إليّ بريقها، خلقتُ من الصاروخ لون أنثى..ومن المدينة العجوز صبية حالمة بتغيير العالم في كبسة صورة، فتغيرت الصور وانكسرت العدسة وخرج منها دمها.. والعالم على حاله صموت وسكوت، تماثيل جامدة تنتظر حطامها.

سأخلع المجازات دقيقة وأكتب.. 

الآن وأنا أخلد في منزلي بالغربة، أتأقلم مع وجودي الافتراضي الجديد، جاءني فيديو الرجال وهم في حافلات النظام كمنشار يجز عنقي، رحلتُ كما يرحل جنود داريا، ولم أصل في أربع ساعات.. ولم أسترح بحافلة مغلقة. 

لن تعانَق الجدران اليوم ، ولن ينزل القمر ليؤنس الوحشة، تبقى المدن وحيدات كما صبية في لجّة حرب ووحدي أنا المعنية بستين مدينة كانت تحدثني شمسها كل ماطلُعت.

ما اصطحبني أحد ولا شوركت لوعتي وعبئي، ما واستني أنشودة، ولا حُزِن لفاقتي، حملت على كاهلي أرواحاً مع روحي، متّ مرات ومرات.. سألت نفسي بعد فواجع الخمس سنين..لماذا أبكرتُ الرحيل؟

ماعاد بوسعي أن أصمد أكثر، ماعاد بوسع البؤبؤ أن يبكي، ابيضت عيناي حزناً فأشفق العمى مني ومضى، وما أشفق علي جسدي بساقيه النحيلتين وثقله الذي لم يتجاوز الخمسين.. ذاك الذي أخجلني في اللقاء الأول بهذا العالم المتمدن بلا روح المدينة وها أنا هنا..

أتنامى شيئاً فشيئاً، أتمدن بلا مدينة، أكتب عن معاناة الرحيل والجوع مترفة، وأضمنها في منشور ليليّ يبحث عن حنان خفي في هذا العالم.

تحملت وصبرت على قهري يا مدينتي، فليخبو أمام قهر الرجال صبري، فلينحلّ كما تنحلّ مدن دمشق غائرة في نهد الهدن، شَدوا رحال بعضهم ورحلوا..تركوا داريا تحت ضوء القمر.

لن تعانَق الجدران اليوم ، ولن ينزل القمر ليؤنس الوحشة، تبقى المدن وحيدات كما صبية في لجّة حرب
ووحدي أنا المعنية بستين مدينة كانت تحدثني شمسها كل ماطلُعت.

سيري في خطى المدن الثائرة إن كنت كذلك واصبري فكل الطرق فيها مؤدية إلى الجنة..