تونس.. حين يصبح الفساد ناعما

blogs - habib

بأغلبية 167 صوتا، تمكن الفريق الحكومي للشاهد من نيل "شهادة" ثقة مجلس نواب الشعب، الغريب أنّ هذه التشكيلة لقيت أكبر نسبة من المؤيدين داخل المجلس التشريعي منذ بداية التحول السياسي الذي شهدته البلاد رغم أن بعض الأحزاب ذات الوزن الثقيل -كحزب حركة النهضة- أبدت تحفظا بخصوص بعض الشخصيات المكلفة غداة إعلان الشاهد عن أسمائها. 

لا شكّ أنّ هذه الحكومة البديلة ليست كغيرها من الحكومات السابقة التي أتت بعد أحداث خطيرة مرت بها البلاد التونسية، فحكومة علي العريض التي عوضت حكومة حمادي الجبالي جاءت بعد اغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد، أمّا حكومة مهدي جمعة فقد كانت الابن الشرعي لما سميّ بإعتصام الرحيل الذي عقب اغتيال القيادي في الجبهة الشعبية محمد البراهمي.

أحد دوافع التغيير في الحكومة التونسية كان التخلي عن شخص الحبيب الصيد وتعويضه بشخصية أكثر ولاء للقصر ولعائلة الرئيس

إن تلك الأحداث كانت كفيلة بأن تؤدي إلى إستبدال حكومات أثبتت عجزها خاصة على المستوى الأمني، فكان الأمر مفهوما ومقبولا على عكس ما يحدث اليوم، فلا أحد في الساحة السياسية قادر على تفسير دوافع ونوايا رئيس الجمهورية من مبادرته التي أتت بالشاهد، كل ما قيل مجرد تخمينات وتحليلات سياسية ليس أكثر.
 

ولكن مع إسدال الستار على الفريق الحكومي يبدو أن الأمر بات أكثر وضوحا، فالحكومة في مجملها لا تختلف كثيرا عن حكومة الصيد، 10 أعضاء منها كانوا ضمن فريقه من بينهم وزراء الداخلية والخارجية والدفاع هذا طبعا بدون إعتبار رئيس الحكومة الجديد الذي كان يشغل منصب وزير الشؤون المحلية.. فما حدث لا يعدو أن يكون تطعيما لحكومة سابقة بوجوه لم تكن في أغلبها من المعارضة الشديدة أو من الكفاءات العالية التي يحتاجها البلد.

يمكن القول إذن أن أحد دوافع التغيير كان التخلي عن شخص الحبيب الصيد وتعويضه بشخصية أكثر ولاء للقصر ولعائلة الرئيس، فالشاهد ناهيك عن انتمائه للعائلة الكبرى للباجي قايد السبسي -حزب نداء تونس- فهو كذلك أحد أفراد عائلته الصغرى وصديق شخصي لإبنه مثلما هو متداول في الشارع التونسي، إضافة إلى أنه يحظى بثقة كبرى من لدنه وقد تجلى ذلك في تكلفيه سابقا بمهمة رأب الصدع بين شقي نداء تونس قبل أن ينقسم هذا الحزب، لقد لعب الشاهد آنذاك الدور الذي كان يود رئيس الجمهورية أن يلعبه بنفسه لإنقاذ حزبه لو لا تعارض ذلك مع مبادئ الدستور الذي يوجب عليه الحياد التام تجاه جميع الأحزاب.
 

إن العودة إلى مقياس الولاء والقرابة العائلية من أجل التعيين في المناصب الهامة هو مؤشر خطير من مؤشرات استشراء الفساد الذي تدعي الحكومة الجديدة أنها معنية بمقاومته وأن من بين أولوياتها القضاء عليه.. ما بني على فساد لن يكون إلا فاسدا، وهذا ما تبينه ملفات بعض الوزراء، فأحدهم أقدم على التوسط لإبنته من أجل إلحاقها بكلية الطب رغم أنها لم تتحصل على المعدل الذي يخول لها ذلك والمصيبة أنهم عينوه وزيرا للوظيفة العمومية ومكافحة الفساد، وزير آخر تورط في قضية أخلاقية، وأخرى كانت تكتب خطابات ليلى بن علي، وآخر عينه نظام بن علي مديرا لمشروع مدينة الثقافة الذي كلف الدولة أموالا طائلة ومع ذلك ظلت تلك المدينة عبارة عن بناية مهجورة لا يدخلها إلا بعض العملة من حين إلى آخر.

النظام الجديد قد أدرك أنه بالإمكان التوفيق بين الديمقراطية والفساد، وأنه ليس بالضرورة أن تستبد بالحكم لتسلب وتنهب وتدر المناصب على أهلك وأتباعك.

إحدى الوزيرات هي أخت للشهيد الضابط سقراط الشارني، ومنذ استشهاد أخيها ما انفكت المناصب تنهال عليها إلى أن غدت وزيرة بقدرة قادر.. والسؤال هنا لماذا هي بالذات والحال أن أخيها واحد من شهداء كثر ؟ الأمر يدعو إلى الريبة خاصة بوجود معلومات تفيد بأن سقراط الشارني لم يكن ضحية الإرهاب الديني المتطرف بل ضحية إرهاب من نوع آخر. هل اشترت السيدة الوزيرة منصبها بصمتها؟ الله وحده أعلم.
 

إن هذه المعلومات لا تخفى على أحد ومع ذلك نالت حكومة الشاهد الثقة، حزب حركة النهضة وآفاق تونس تحفظا على بعض الأسماء في أوّل الأمر لتورطها في قضايا فساد ولكن هذا الموقف لم يحضر إبان جلسة منح الثقة واكتفى ممثلو الحزبين بالشكر والتشجيع والوقوف للحكومة الجديدة والتصفيق لها، قد يكون ذلك خيارا براغماتيا ذلك أن عدم منح الثقة يعني حلّ البرلمان، وهذا لا يصب بتاتا في صالح الحزبين، فحزب النهضة هو الحزب الأكثر تمثيلية داخل المجلس وهو في غنى عن مغامرة قد تفقده الأغلبية أما آفاق تونس فإنه يخشى مصيرا أشبه بمصير التكتل والمؤتمر من أجل الجمهورية.
 

صفوة القول أن النظام الجديد قد أدرك أنه بالإمكان التوفيق بين الديمقراطية والفساد، وأنه ليس بالضرورة أن تستبد بالحكم لتسلب وتنهب وتدر المناصب على أهلك وأتباعك، فهذا كله من الممكن أن يحدث صلب مؤسسات ديمقراطية، وبعد إنتخابات شفافة، فالفساد الذي تصحبه العصا لم يعد تجارة رائجة بعد أن تكسرت تلك العصا بفضل الثورة أوما يسمى الربيع العربي، الفساد اليوم هو فساد ناعم يمر بهدوء، بديمقراطية، بتصويت وقوانين وأغلبية.. وكله في إطار الشرعية..