"الثورة الفكرية" حتمية المجتمع الإسلامي

ثورة فكرية

في ظل التحولات الدولية والإقليمية لا يسعنا القول إلاّ أن الوحدات السياسية تسعى إلى حماية كيانها  وقوّتها، وذلك موازاة مع مجموعة التهديدات والتحدّيات الأمنية خاصّة المعاصرة منها التي باتت تشكّل خطرا داهما على هويّة المجتمعات.

وهنا أخصّ بالذكر الخطر الثقافي والهويّاتي الذي أضحى التحدّي الأول بالنسبة للمجتمعات العربية والإسلامية، التي للأسف ولغاية الساعة لم نر لها إستراتيجيات وآليات واقعية وجدّية تحدّ من التلاعب وتشويه الهوية الثقافية للمجتمع العربي المسلم.

خاصّة أننّا نشهد عملية استيراد دائمة للثقافات الغربية وخصوصيّات غريبة عن الحضارة العربية الشرقية التي من المفترض أن تكون رمزا للمحافظة والأصالة وإن ساهمت متغيرات عديدة في تبني مقاربة المعاصرة.

 وبدا شباب عربي وكأنه يتنصّل من هويّته، وشباب مسلم أضحى في غنى عن المعطيات الدينية والمسلّمات الروحانية التي هي أساس ضبط المسائل الدينية والدنيوية.

 

الحديث المفرط عن التحليلات السياسية المتعلقة بنظرية المؤامرة، ما هي إلا تشكيل لصورة نمطية تظهر وتجسّد ضعفنا

والتخلّي عن البعد الحضاري والقيمي والديني للمجتمع ما هو إلاّ تأكيد للضعف وغياب القدرة على الحفاظ على البنية المجتمعية للدول الإسلامية والعربية، وكذا الإيمان بالمدخلات الغربية والموضات المعولمة ما هي إلا وسيلة استهواء غريزة الشباب للابتعاد عن أصل العزّة وهذا ما نجحوا فيه نسبيا.

وفي هذا الصدد أريد نقل مقاربة هي بالأساس قائمة على نقاش بيني وبين معلّمي، وقد خلصنا إلى فرضية مفادها حتمية قيام ثورة فكرية قيمية تأسس عهدا جديدا يبني هيكلية المجتمع الإسلامي على مرجعية للقيم الدينية والشرعية ذات أبعاد معاصرة.

وإضافة إلى ذلك قيام روح إصلاحية تسعى لتقويم الواقع المعاصر، وتسهر على عملية التكييف الصحي بما يتوافق والمتغيّرات القائمة وبناء جسم فكري إسلامي وعربي يسعى لدحر التحديات الثقافية والحضارية المهددة للهوية الإسلامية والعربية.

 
وهي مقاربة قد يستاء منها الكثير لما في مصطلح الثورة من أبعاد، لكن ثورة الفكر أصعب وأشد من ثورة الجماهير وسخطهم المادي الملموس، فالسخط هو سلوك والانتفاضة هي آلية تختارها الشعوب للتغيير، لكن ما دورها إن كانت العقليات والذهنيات ساكنة راكدة وجامدة لا حراك لها إلا للعنف والتدمير المعرفي والإنساني.

 
وتنظيم الصفوف للثورة الفكرية هو منهج شعور وعزم على إصلاح الذات قبل كلّ شيء، هو تغيير الفكر المعولم المصقول في المخابر الأميركية والغربية كي تكون أفكارنا عدوّنا الكبير وحليفهم الأول.

 
التغيير يبدأ بكلمة ثم فكرة حتى نصل إلى مجتمع صالح قوي البنية والهيكل والثقافة، يحافظ ويعتز ببعده التاريخي والحضاري، يستمرّ في رفع التحدي لأجل فرض الوجود وبدون حدود، وجود عن طريق العلم وكسب المعرفة والعطاء المعرفي وجود بالتطور والفكر والتغيير. 

ثورة فكرية شعارها إما أن نصنع التاريخ أو نكون من التاريخ، ثوره قوامها الشباب المسلم العربي وسلاحها العلم والفكر والأخلاق والمبادئ والقيم، ومعركتها من أجل الحفاظ على الإنسانية، فهي مقاربة تبقى حلمي وحلم معلّمي وحلم العديد من شباب الأمة، ووجودها مرهون بنا قبل الحديث عن عدونا والتباهي بنظرية المؤامرة والتسليم بضعفنا.

 
حتى الحديث المفرط عن التحليلات السياسية المتعلقة بنظرية المؤامرة، ما هو إلا تشكيل لصورة نمطية تظهر وتجسّد ضعفنا وإيماننا بهذا الافتراض العليل، والعمل على تعميمه، نظرية المؤامرة ما هي إلا تراكم لمجموعة متغيّرات وعوامل سياسية اجتماعية وثقافية واقتصادية، أدى وجودها إلى تعفّن العلاقات بين المجتمعات العربية من جهة واتساع الهوة بين القمّة والقاعدة داخل هذه المجتمعات.

 

الخطر الثقافي والهويّاتي أضحى التحدّي الأول بالنسبة للمجتمعات العربية والإسلامية

وأدى غياب إستراتيجيات وسياسات واضحة من طرف صناع القرار داخل النظم السياسية العربية والإسلامية إلى تشكيل وتبلور بيئة غير صحية للنهوض بالفكر المعاصر، والوصول إلى أعلى درجات الخمول والرداءة العلمية، التي انتقلت تلقائيا إلى المجتمع الشبابي وبدت انعكاساتها وتداعياتها واضحة المعالم على سلوكيات أغلب الشباب العربي.

 
وأضحت ضرورة وجود إصلاحات تربوية وتعليمية حتمية من شأنها الارتقاء بالنظم التربوية في الدول العربية، تضاهي النظم التربوية الغربية لكن وفق بيئة وقيم تراعي خصوصية المجتمع العربي الإسلامي، تساهم في بناء نموذج فكري يثبت أحقية التنافس العلمي بين الشعوب، لا البقاء ضمن قوائم الدول والمجتمعات المستهلكة للمعلومة والتكنولوجيا والسلوكيات الغربية.

 
هي معالم الثورة الفكرية التي تستهل طريقها من الأسرة والمدرسة وجميع المؤسسات الاجتماعية قصد بلوغ الرقي والعلو، أما ما دون ذلك فهي محاولات للحفاظ على الوضع القائم.