شعار قسم مدونات

سيكولوجيا الثورة السورية (2) الدوافع النفسية للتمرد.. الحياد.. والعبودية

blogs-سوريا

في تكوين الشخصية الثائرة، تم الحديث عن دور العدوى النفسية كعامل رئيسي لإزالة التنويم المغناطيسي الجديد، الذي فرضته الآلية المتبعة من قبل النظام السوري خلال حكم بشار الأسد المستندة على مبدأ الحرية الظاهرية، بغرض الإبقاء على ذات الشخصية النفسية للمجتمع التي حاول الأسد الأب بناءها عبر ظاهرتي "الخوف، والبعث".
 

وعامل العدوى النفسية الناتج عن الثورات التي اندلعت في عدد من البلدان العربية، كان له الأثر المباشر والرئيسي وراء إزالة التنويم المغناطيسي الجديد عن طيف من الجمهور السوري، لكن هذا العامل لم يؤثر في بقية المجاميع السورية، بالرغم من مشاهدة رد الفعل العنيف من قبل النظام ضد من أعلنوا تمردهم عليه، بل على العكس اختار قسم من الجمهور الوقوف إلى جانب النظام معللين موقفه الأمني وإجراءاته العنيفة. كما لم تؤثر العدوى أيضا في أولئك الذين اتخذوا الحياد موقفاً لهم.
 

يمكننا اعتبار أن الجمهور الذي قرر  الوقوف ضد النظام السوري ومجابهته، هو عبارة عن تحالف نفسي بين مجموعة من الأفراد على اختلاف دوافعهم الذاتية

وحقيقة الأمر أن عامل العدوى النفسية لا يمكن أن يؤثر في إزالة التنويم المغناطيسي عن الجمهور، إلا في حال توفر دوافع نفسية تشترك في الوصول لهدف، أبرز هذه الدوافع هي: الشعور بالانتماء، الجدوى، والثأر.
 

سيكولوجيا التمرد:
 

يمكننا اعتبار أن الجمهور الذي قرر في لحظة ما الوقوف ضد النظام السوري ومجابهته، هو عبارة عن تحالف نفسي بين مجموعة من الأفراد على اختلاف دوافعهم الذاتية التي تتنوع بين الحاجة للثأر، الجدوى، والانتماء، وما التماسك الذي أظهره هذا الجمهور في المرحلة السلمية، إلا بسبب عدم وجود فروق بين هذه الحاجات عند الأفراد، وتخيّل أن الوصول للهدف المتمثل بإسقاط النظام سيكون ماثلاً أمامهم خلال فترة قصيرة. هذا الخيال كان مهمًّا لعدم رجحان أحد الدوافع النفسية على الآخر.

لكن طول المدة الزمنية أدّى إلى خلق شعور لا واعٍ لدى هذا الجمهور بخيبة أمل، نتج عنه لاحقًا حصول فوارق كبيرة بين تلك الدوافع النفسية، جعلت الجمهور ينقسم على ذاته ويدخل في جملة من الاضطرابات النفسية الجمعية، سيتم التطرق إليها في بقية مدونات سيكولوجيا الثورة السورية.
 

وحول الدوافع النفسية لانخراط الأفراد في التحالف النفسي "الجمهور المتمرد" ضد النظام السوري، لا يخفى أن هناك عددًا من السوريين كان موقفهم نتيجة الثأر من سلوك النظام العنيف ضدهم أو ضد آبائهم الذين قتلوا على يد الأسد الأب.

وهناك أفراد آخرون أثرت العدوى النفسية فيهم بسبب الإحساس الذي يتملكهم بضرورة الانتماء للمجتمع وأن النظام الحالي يحول دون تحقيق هذا الانتماء بمعناه الحقيقي، وهذا الدافع يتعلق بالحالة الاجتماعية للفرد أو حتى الاقتصادية والسياسية. ويطبق ذلك على الفقراء والمهمشين بسبب طبيعة العقد الاجتماعي الذي كان ينتهجه النظام السوري. وبالنسبة لشعور الجدوى فهناك أفراد وقفوا في وجه النظام بسبب الحاجة لتحقيق الذات أو طموحاتهم الشخصية التي كان النظام يقف عائقًا أمام وصولهم إليها، وهذه الطموحات تختلف نسبتها بين فرد وآخر وتتوزع بين السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، التي تختلف نسبتها أيضا من فرد لآخر. كما تجدر الإشارة أيضا إلى أنه قد يجتمع في الفرد حاجة أو أكثر من الدوافع النفسية المذكورة.
 

سيكولوجيا الحياد:
 

لم يؤثر عامل العدوى النفسية في نسبة من الجمهور السوري الذي اتخذ موقف الحياد ولم ينضم إلى الثورة والتمرد ضد النظام أو حتى تأييده، ويرجع هذا الموقف إلى عدد من الأسباب، تتعلق بالدوافع النفسية، التي أدى توفرها إلى تشكيل تحالف نفسي لجمهور غير متجانس، سنرى فيما بعد أنه ينقسم على نفسه.
 

ويتكون هذا الجمهور غير المتجانس من قسمين، أحدهما يكون محققًا للاكتفاء الذاتي الفيزيولوجي اقتصاديًّا واجتماعيًّا أو يكون محققًا للاكتفاء الذاتي السيكولوجي من ناحية توفير الأمن وتقدير الذات والطموحات من خلال المجتمع والدولة في آن واحد. وهذا التعقيد في تحقيق الفرد لذاته عن طريق السلطة والمجتمع أدى إلى عدم وقوفه مع أي منهما، فهو يحاول الحفاظ على مصالحه النفسية والمادية عن طريق كلا الطرفين.
 

والقسم الآخر من الجمهور غير المتجانس، لم يستطع تحقيق دافع الانتماء للدولة والمجتمع، وهذا الأمر متعلق أساسًا بالعرق، والمقصود في هذا النوع من الجمهور هو عينات واسعة من أفراد المجتمع الكردي، الذين أخذوا حين بدء التمرد والثورة على النظام موقف الحياد، فقد أدّت سياسة نظامي الأسد الأب والابن سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، إلى ظهور بوادر انعزالهم عن المجتمع، لكن الملاحظ أن عامل الثأر لم يدفعهم للانضمام للمتمردين.

ويعزى ذلك إلى وجود الخوف من عدم استطاعتهم تحقيق مصالحهم الذاتية السيكولوجية والفيزيولوجية عن طريق الجمهور المتمرد، وكذلك بقاء عامل الخوف من السلطة، وفي هذه الحالة، كان للعرق الدور الرئيسي في تشكيل ذهنية مشتركة لدى هذا القسم من الجمهور، الذي بدأ باتخاذ موقف الحياد لتحصيل اكتفائه الذاتي وطموحاته لاحقًا.
 

وأما بقية العينات من أفراد المجتمع الكردي الذين قرروا الانضمام للثورة فهذا الأمر يرتبط ليس بعامل العدوى فحسب، بل نتيجة وجود عامل أهم وهو التجربة والتكرار، فالوعي الناتج عن هذين العاملين أدى إلى تكوين رأي عند هذه العينات بأن تحقيقهم للاكتفاء الذاتي السيكولوجي والفيزيولوجي سيكون من خلال المجتمع المتمرد على السلطة التي سلبت منهم حقوقهم.
 

سيكولوجيا العبودية:

العديد من الأفراد بالرغم من عدم تحقيقهم لأي اكتفاء عن طريق النظام، قرروا الوقوف إلى جانبه، ويمكن تفسير هذا النمط من خلال ما يعرف بمتلازمة ستوكهولم

 

كان لظاهرتي "البعث والخوف" أثر في بناء الشخصية السورية خلال دخولها في مرحلة التنويم المغناطيسي، حيث استطاع النظام السوري تشريب طيف من المجتمع المبادئ والعقيدة الفكرية التي عززت من سلطته المستبدة، وهذا الطيف يتكون من الأفراد الذين استطاعوا تحقيق اكتفائهم الذاتي السيكولوجي والفيزيولوجي عن طريق النظام، فالأسر والعوائل التي حققت هذه الاستفادة، بالتزامن مع مرحلة التنويم المغناطيسي، لم يؤثر فيها عامل العدوى على الإطلاق، نتيجة انعدام الدوافع النفسية لديهم، وعلى العكس من ذلك استطاع النظام السوري توظيف هذه الفئة من الجمهور وتحريضها للدفاع عنه بكافة السبل، ويتلقى هذا النوع من الجمهور الأخبار وجميع الأحداث الحقيقة بتعليل وتبرير، كما تنعدم لديهم عوامل التجربة والتكرار. 
 

وهناك حالة تنطبق على عدد من أفراد المجتمع الذين قرروا الدفاع عن النظام وهم بدورهم كانوا جزءًا من الجمهور المصاب بسيكولوجيا العبودية، هذه الحالة تقول إن العديد من الأفراد بالرغم من عدم تحقيقهم الاكتفاء الذاتي الفيزيولوجي والسيكولوجي عن طريق النظام، قرروا الوقوف إلى جانبه، ويمكن تفسير هذا النمط من خلال ما يعرف بمتلازمة ستوكهولم، التي هي عبارة عن ظاهرة نفسية يدافع فيها الفرد أو يتعاطف مع عدوه الذي أساء إليه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.