بكين وبيجينغ والكامخ بينهما

blog-الصين

منذ أن اعتمدت الجزيرة نطق وكتابة العاصمة الصينية "بيجين" بدلًا من بكين (الأصح في رأيي بي جينغ)، بات الموضوع سؤالًا دائمًا نواجه به، فهل هو من لزوم ما لا يلزم؟ أم أنه إلزام لا لزوم له؟ وأصبح الأمر وكأنه مدينة جديدة اكتشفت حديثًا..؟ وهناك من قال إن استخدام "الخطأ المشهور خير من الصواب المهجور"، خاصة أن وسائل الإعلام الصينية الناطقة بالعربية تستخدم اسم "بكين" في حين تستخدم اللغات الأخرى اسم "بيجينغ"؛ لذا فقد ارتأينا تبيان بعض الأمور وتوضيحها.

فالمدينة بُنيت على أنقاض مدينة أخرى هي "جين تشانغ" التي سكنتها قبيلة من التنانين الأشرار قبل ثلاثة آلاف عام كما تقول الأسطورة، وقبل أن يختارها أحد أباطرة الصين القدامى مقرًّا له ويخوض مع التنانين حربًا ضروسًا انتهت بالطبع بانتصاره.

من أين جاءت تسمية بكين؟ فذلك نتاج تغريب الأسماء الصينية الذي أقره أوائل المبشرين الغربيين الذين دخلوا البلاد من جنوبها معتمدين على اللهجات واللغات المحلية.

لكن التنانين الشريرة تلك جعلت ماء المدينة غَورًا ولم يستطع الإمبراطور وجنوده له طلبًا، ولم تسعفهم سوى دودة "أم أربعة وأربعين" شقت لهم ثمانية عشر بئرًا منتظمة على خطين متوازيين من شمال المدينة إلى جنوبها.

ثم تعاقبت عليها الحقب إلى أن استعصمها المغول قبل ستمائة عام وأعادوا بناءها من جديد وذاك هو التاريخ الحقيقي لميلاد المدينة. وقد سمَّوها "خان بالق" وهكذا اعتمدها العرب آنذاك، والخان هنا ليس الإسطبل بل هو الخان الكبير حاكم المغول "قبلاي خان" ويقال إن مهندسًا عربيًّا اسمه اختيار الدين أو يحيى الطاهر هو من صمم وخطط مدينتها المحرمة مستوحيًا ذلك من عاصمة الرشيد بغداد.

غيّرت المدينة اسمها إلى "دا دو" أي العاصمة الكبرى أو "أم العواصم"، وبعد أن سقطت في قبضة أسرة مينغ عام 1368 غيروا اسمها إلى "بي بينغ" أي السلام الشمالي لتنضم إلى شقيقاتها المدن التاريخية التي حملت اسم السلام ورسالته وهي "شي آن" وبغداد "دار السلام" والقدس "أور سالم"، لكن "بي بينغ" سرعان ما عادت بعد نصف قرن وغيرت اسمها مرة أخرى إلى عاصمة الشمال "بي جينغ".

إبان الحرب الأهلية بين الشيوعيين والوطنيين نهاية أربعينيات القرن الماضي وعندما بسط الوطنيون سيطرتهم المؤقتة على جزء من البلاد واتخذوا من "نان جينغ" أي عاصمة الجنوب مقرًّا لهم حاول تشانغ كاي شيك إعادتها إلى اسمها السابق "بي بينغ" تجنبًا للاعتراف بكونها عاصمة للشيوعيين في الشمال ودعمه في ذلك الغربيون.

أما من أين جاءت تسمية بكين؟ فذلك نتاج تغريب الأسماء الصينية الذي أقره أوائل المبشرين الغربيين الذين دخلوا البلاد من جنوبها معتمدين على اللهجات واللغات المحلية لمرافقيهم الصينيين من أهل الجنوب وبقيت تلك الأسماء معتمدة في بعض الدول الغربية إلى أن أطلقت الصين منتصف خمسينيات القرن الماضي ما عرف بنظام البين يينغ في لتننة (من لاتيني) الأسماء الصينية الذي اعتمدته معظم وكالات الأنباء الدولية في بداية الثمانينيات ويسمي المدينة باسمها الذي يتداوله أهلها أي "بيجينغ" والأفضل في رأيي "بي جينغ".

أما بالنسبة للدوائر الرسمية ووسائل الإعلام الصينية باللغات الأجنبية فإنها اعتمدت بي جينغ في اللغات الغربية لكنها تهاونت في ذلك بالنسبة للغات الشرقية كالعربية والفارسية والأوردية والسبب في رأيي يعود إلى المدققين اللغويين العرب والأجانب العاملين في تلك المؤسسات أو إلى الكادر الذي تلقى تعليمه في بعض تلك الدول التي لم تحسم أمرها بعد.

لم يكن قرار الجزيرة هو الوحيد الذي أثار جدلاً حول اسم المدينة فرئيس الوزراء الفرنسي السابق رافاران وقع تحت ضغوط يمينية كبيرة لقبوله بأن يكون شاهد شرف على "أولمبياد بيجينغ 2008" والسبب ليس انتهاك الصين لحقوق الإنسان أو لقضايا الإغراق التجاري ولكن لأن اسم الأولمبياد الرسمي المعتمد هو "بيجينغ" وذلك يخالف الاسم الذي اعتمده أحد أوائل المبشرين الفرنسيين إلى الصين والذي لا يزال الفرنسيون يستخدمونه "بكين".

أما المستشارة الألمانية ميركل فكانت أكثر وضوحًا عندما رفضت اعتماد الاسم الرسمي للأولمبياد قائلة لن نغير ما اعتدنا عليه طوال عقود من أجل عيون الأولمبياد.

مقاربات:
قال ابن خلدون في مقدمته: "اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، ولقد كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ففسدت لغة غيرهم وبقيت لغتهم".

كان هذا منذ ماض مضى.. أما الآن وبعد خراب البصرة وبعد أن تبلبلت الألسن واستعجم ما استعجم واختلط الحابل بالنابل ودخل الأعاجم إلى بيوتنا وغرف نومنا وأفسدوا هواءنا وجرحنا وملحنا ولم ولن يعبروا في كلمات عابرة، وبعد أن تركنا لغتنا لرب يحميها ولمعشر اللغويين أو اللَّغويين (بفتح اللام) وأتحفتنا مجامع اللغة العربية بمصطلحات ما أنزل الله بها من سلطان "كالشاطر والمشطور والكامخ بينهما" والحاسوب والناسوخ والعتاد المرن والعتاد الصلب، فلم تفسد اللغة فقط بل جرى تلويثها.

لقد آن الأوان لوسائل الإعلام العربية أن تهب لتحرير اللغة من عبء السياسة وقرفها

فقد استخدم القرآن الكريم وهو الكتاب العربي المبين كلمات أعجمية مثل سندس وإستبرق… وقد استخدمت لغتنا مصطلحات أعجمية حديثة وبات لها تصاريفها وجذورها العربية كتلفزيون وإستراتيجية وديمقراطية ودكتاتورية وتكتيك وأصبح لدينا المتكتك والتكتكجي ابن التكتكجي ولم يكن لدينا أية مشكلة في ذلك فلغتنا والحمد لله مرنة ومطواعة وقادرة على الهضم والاستيعاب.

كما صدَّرت لغتنا الكثير من الكلمات والمصطلحات الحديثة إلى لغات العالم الأخرى كما فعلت كثيرًا في الماضي وكما فعلت قليلا في العصر الحديث وفي حالات نادرة من التمرد ككلمتي الانتفاضة والياسمين، إذًا المشكلة هي نحن.. الذين نعيب لغتنا والعيب فينا وما للغتنا عيب سوانا.

فنحن الذين جعلنا منها لغة للقتل اليومي المتعمد بمصطلحات غبية تفرخ قنابل ذكية وعنقودية عندما انسقنا بشكل أعمى لاستخدام مصطلحات أعجمية صيغت بعناية وقدمت لنا مترجمة جاهزة على طبق نتجرع منه سمًّا قاتلًا.. وأصبحت لغتنا لغة غير قابلة للحياة عندما بدأنا نخطط لسلام قابل للحياة ودولة قابلة للحياة.. وعندما قبلنا بأن تكون تلك البذاءة اللغوية المسماة "عملية السلام" هي الحلم الذي نحيا عليه ونعيش من أجله.

بل عندما قبلنا بأن تكون التوراة هي المرجعية لمصطلحاتنا السياسية والجغرافية وأصبح لدينا "ضفة غربية" وأخرى شرقية، أي ضفة جغرافية تلك وأي غرب سياسي؟؟ أليست خاصرة فلسطين الشرقية وشرق فلسطين ألم نساهم بذلك في طمس فلسطين كوطن عندما وافقنا على شطبها من مفردات اللغة اليومية؟؟ أو المشارق الثلاثة الأقصى والأوسط والأدنى فشرق مَن هو وأوسط وأدنى مِن مَن؟؟

وهناك الكثير الكثير ولا بد لأي متتبع للوكالات الدولية أن يلاحظ يوميًّا ذلك الكم الهائل من هذه المصطلحات المضللة، وقد آن الأوان لوسائل الإعلام العربية أن تهب لتحرير اللغة من عبء السياسة وقرفها، وأن نتذكر أخيرًا أن الفارق بين التعريب والتغريب نقطة وهي نفس النقطة التي تفرق بين الاحتراق والاختراق، إنها الثقب الأسود الذي يلوث فضاء لغتنا وينكد علينا صباحتنا الجميلة.