المرض تدبر:
أعطتني تلك الفترة فرصة للتفكر في أشياء لم تخطر ببالي من قبل، تلك الأسئلة الوجودية التي يفكر الإنسان فيها فقط في لحظات تأملية روحانية متزامنة مع حالات الضعف التي يعتبر المرض أقواها وأوضحها، المرض يمنحك فرصة لتفكر بالإنسان الذي فيك، الإنسان الذي عشته والإنسان الذي تحياه والإنسان الذي تريده، يعطيك فرصة ثمينة لتظهر حقيقتك الجميلة
| المرض سيء جدا لكنه يمسح عنا أشياء تخفي لمعان قلوبنا، يعيدنا لفطرتنا الأولى ويجدد فينا روحانيتنا التي تضعف في دروب الحياة القاسية |
ها أنت تبتسم للغرباء الذين يشاركونك المرض في المشفى، وتقدم مريضا قبلك للفحص لأنك تراه أكثر حاجة، انظر لنفسك ما أجملك وأنت ترشد الآخرين لأهمية الصحة والمحافظة عليها، وقد أحسنت لما تركت متسعا بجانبك لطفل أتى به والده مستعجلا إلى غرفة الاستقبال.
المرض تغيير:
لطالما عرفت أشخاصا غيرهم المرض فأصبحوا أفضل، المرض يغير الناس ويظهر معادنهم الحقيقية، ولعله أيضا يبرز المواهب عند البشر، فكم من مريض صار بعد المرض شاعرا، رساما، خطيبا أو صاحب تجربة فريدة ينقلها للناس بشكل مميز، المرض سيء جدا لكنه يمسح عنا أشياء تخفي لمعان قلوبنا، يمسح على صدورنا ويجبرنا على أن نتغير بطريقة رائعة، المرض يعيدنا لفطرتنا الأولى ويجدد فينا روحانيتنا التي تضعف في دروب الحياة القاسية.
المرض والأولويات:
المرض يجلّي فهمك الحقيقي للحياة ويعلمك أن ترتب أولوياتك، ويمنحك وقتا كافيا للتخطيط، يجعل ترتيبك منطقيا أكثر ومعقولا أكثر، يجعل أولوياتك مرتبطة بمن حولك من الذين يحبونك، يعلمك أن تتفانى في العمل وفي الوقت ذاته ألا تهمل ذاتك وأهلك وأصدقاءك، يعلمك أن تفكر فيهم أكثر وأن ترسم جدولك اليومي دون أن تنسى أن لهؤلاء حقا قد أكد المرض عليه مرات ومرات.
المرض أمل:
إن الشفاء يتبع المرض! وهذا بحد ذاته درس عميق، فالمريض الذي يُشفى يحصل على فرصة جديدة لتحقيق أحلامه، وأملا بأن المستقبل أجمل، وأن المشاكل التي نحياها يمكن أن نجد لها علاجا وحلا، وأن الآلام تزول مع الوقت إن أحسنّا تشخيص المرض والتزمنا بالعلاج، حتى وإن بقيت بعض الآثار فهي لك نتذكر دائما أن المرض كالمشاكل في الحياة يأتي لكنه يرحل.
المرض أخلاق:
يقول الرافعي في كتابه (أوراق الورد) "سبحانك اللهم، إنما هذه الأمراض أخلاق أنت تنشئ بها الرحمة في قلوبنا المتحجرة، وتصرفنا فيها إلى نفوسنا بعد أن نكون قد جهلنا هذه النفوس في أعمال الحياة أو جهلتنا"
الأم في المرض؟
| يُعلمك مرض أمك أن الحياة جافة قاتمة صلبة ويجعلك المرض تدرك أن الحنو نادر في غيابها |
في الوقت الذي يمرض فيه الإنسان تتبدى مشاعر الناس من حوله، لكن شعور الأم مختلف تماما، طريقة شعورها بك لا تشبه مشاعر الآخرين أبدا، انفعالاتها تصرفاتها حزنها حتى دموعها تختلف عنهم جميعا، جرب أن تتذكر كيف تصرفت أمك يوم أصبت بمرض خفيف، ستجد أن كل الناس تعامل مع المرض على أنه خفيف حتى أنت، إلا أمك.
مرض الأم عذاب:
تصبح الحياة في مرض أمك بائسة جدا، ويصبح يومك قطعة عذاب لا تطيقه، يُعلمك مرض أمك أن الحياة جافة قاتمة صلبة ويجعلك المرض تدرك أن الحنو نادر في غيابها، في مرض الأم دروس يتلقاها المرء أشد من الصفعات، تفقد قدرتك على الاتزان عندما ترى أن الشخص الوحيد الذي أخذ عنك مرضك من قبل والذي لا يمانع أن يأخذ عنك مرضك في أي وقت، هو مريض بالفعل.. هي أمك!
المرض يوحدنا:
في الحديث عن المرض يقفز إلى الذهن مرضى السرطان الشجعان، الذين يقاتلونه وهم يعلمون أن سلاحهم الوحيد لمواجهته هو الأمل، مرضى السرطان الذين إذا زرتهم شعرت بالألم يخرج من عيونهم ترافقه ابتسامة متواضعة تخفي خلفها كما كبيرا من الأوجاع، هذا المرض القبيح الذي يخطف أرواح البشر ويقنع الأطفال أن شعرهم الجميل الذي سقط ليس مهما، مرض السرطان من الأمراض التي لا تؤذي المريض وحده بل تؤذينا جميعا وتُعلمنا أن المرض يجمعنا ويوحدنا فكل الناس أمام المرض واحد.
على أي حال، لا يمكن أن يكون المرض جميلا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

