شعار قسم مدونات

في الطريق إلى "خربة الجوز"

blogs-النجار

بعد أربعة أيام من الإصابة، تلقيت خلالها العلاج في إحدى مستشفيات مدينة أنطاكيا الحدودية مع سوريا، كان فريق للجزيرة ينقل أخبار تحرير قرية خربة الجوز الاستراتيجية الهامة في الريف الغربي لإدلب والتي تحوي برج الديموس الذي يعتبر أعلى برج مراقبة في تلك المنطقة الحدودية بين تركيا وسوريا.
 

كان الأطباء قد أبلغوني أن الشظايا التي اخترقت قدمي قد دخلت وخرجت وأن علي الراحة، استأذنت مسؤول التغطية الأستاذ يوسف الشولي بالتوجه لتلك البلدة لعمل قصة عنها، وللقاء صاحب المقولة الشهيرة في بداية الثورة السورية "أنا إنسان ماني حيوان.. وهالعالم كلها مثلي"، وهو أبو أحمد الذي حوله ظلم نظام الأسد وبطشه من مهرب قبل الثورة إلى قائد فصيل مقاتل بعدها، وكان له دور بارز في تحرير خربة الجوز.
 

كان الألم الأكبر هو مشهد الجبال التي لا تحتوي إلا الخراب، آلاف الأشجار التي احرقت بسبب الاشتباكات والحرب

لم يكن الأمر بالسهولة التي توقعتها، فقد كانت طريقا مليئة بالمخاطر والألم، وأول الألم كان لقائي في قرية حدودية تركية كنّا سننطلق منها نحو خربة الجوز سيرًا على الأقدام رجلا اسمه أبو فادي، كان قد تلقى للتو خبر مقتل ابنه فادي أثناء مشاركته في تحرير برج الديموس، حدثني عن ابنه وكأنه يركض أمامه طفلا، وعنه وقد حمل السلاح الذي قال إنه فرض على جيل للدفاع عن نفسه بدل أن يحلم بالعمل والزواج والسفر والحياة الطيبة.
 

كانت الخطة أن انتقل مع شاب اسمه عيسى عبر جبال تفصل الحدود السورية والتركية مسافة تصل إلى ستة كيلو مترات، كانت تعليماته واضحة لي بالإبطاء حينا والإسراع حينا أخرى، والمرحلة الأهم هي قطع طريق صغير تتنقل بينه عربات حرس الحدود التركية.
 

في منتصف الطريق، كان الألم قد تضاعف في رجلي، ولكنه كان قد اتفق معي أنني إذا تعبت فعلي أن أعود لوحدي، وهو الأمر الذي دفعني للمواصلة رغم الألم.
 

كان الألم الأكبر هو مشهد الجبال التي لا تحتوي إلا الخراب، آلاف الأشجار التي احرقت بسبب الاشتباكات والحرب، كان اللون الأسود أوضح الألوان في طريقنا في رابعة النهار، وملابسنا زارها سكن الأشجار الأسود.
 

الألم الذي كان يتسلل لي من رجلي اليمنى كان يزيد، لكن ما أنسانيه لبعض الوقت دخولنا مزارع تفاح وفواكه من كل ما لذ وطاب، لكنها للأسف كانت خرابا، فقد هجرها اَهلها، ومع ذلك أمسكنا بتفاحتين استصلحناهما وأكلناهما، كان طعمهما لذيذا رغم وضعهما البائس.
 

بعد أن دخلنا للقرية رزقنا الله بسيارة متهالكة والمعروفة لدى السوريين ب "الحلفاوية"، أقلنا سائقها بعد حديث معه لتلة مرتفعة تشرف على البلدة الجميلة الوادعة لولا الحرب التي غيرت من وجهها الوادع.
 

بدأت جولتنا بلقاء قائد فصيل في البلدة حدثنا عن معركتها واصطحبنا في جولة على بعض نقاط القتال الرئيسية وأبرزها المناطق الاستراتيجية التي تحصنت فيها قوات الأسد.
 

واحدة من أبرز المحطات التي لا أنساها في ذلك اليوم هو نقلي لمكان يحتجز فيه نحو أربعين جنديا من جنود الجيش السوري، كان جلهم شبانا من كل سوريا، من الرقة ودرعا وريف دمشق، وكان من بينهم شابين كرديين من مدينة الحسكة السورية.
 

المفاجأة السارة بالنسبة لي كانت أن قائد الفصيل كان قد عرضهم على محكمة ثورية قررت الإفراج عنهم لأنهم استسلموا ولم يقاتلوا، بل إن بعضهم كان قد تواصل مع الثوار قبل المعركة وهو ما شفع لمجموعهم.
 

الألم الأكبر هو حال شبان سوريين في عمر الزهور يقاتلون ويقتلون في وطن بات خارج الخدمة فعلا

اللحظة الأكثر سرورا لي في تغطيتي في سوريا هي لقائي بأبي أحمد، الذي لم تكن الغاية أن ألتقي به، وهو واحد من أهم الوجوه التي عرفها العالم بعد الثورة السورية، وإنما لرواية قصة تحولاته من إنسان كان عمله الوحيد هو التهريب عبر الحدود، إلى تحوله للاجئ في تركيا، ثم العودة لبلده مقاتلا، ثم قائدا لفصيل مقاتل، وكلمة السر في ذلك كله هو سجنه في سجن عسكري وإهانته أيما إهانة جعلته يصرخ على الشاشة "أنا إنسان ماني حيوان.. وهالعالم كلها مثلي".
 

في طريق العودة رافقت على طولها الجنود الذين تم تحريرهم الذي تم نقلهم لمخيم للاجئين ومن هناك تم تمكين من استطاع منهم بذويه، وسط مشاهد محزنة لبعض من نسي أرقام هاتف عائلته، وآخرون كانت هواتف ذويهم ترن بلا مجيب، أو باتت خارج الخدمة.
 

كانت النهاية مزيدا من الألم بالنسبة لي بعد أن استغرقت رحلتي تلك نحو ١٤ ساعة، لكن الألم الأكبر هو ما شاهدته وسمعته وحال شبان سوريين في عمر الزهور باتوا يقاتلون ويقتلون في وطن بات خارج الخدمة فعلا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.