بين صلاة الأنفس والآفاق

blog-قرآن

إن تكوّن الأوعية الدموية (Angiogenesis) عملية أساسية، لتجدد النسج الحية (Regeneration) وشفائها (Healing) أو إصلاحها عامةً (Repair)، وهي علامة فذة على قدرة النسيج المتينة على التجدد والتكيف والاستمرار.
 

وتأتي أهمية الشيء من وظيفته، وما يملكه من مؤهلات ومواهب ومهارات تجعله شيئا مذكورا، فكلما بنيت نفسك واكتسبت من المهارات، زادت الحاجة إليك.
 

إن الأوعية الدموية هي شريان الحياة لأنها تمد الخلايا بالأوكسجين والمواد والمعلومات التي تدبر أمرها، فيتدبر، وتستمر في الخلق والتخلق. وقد أدرك الورم الخبيث أهمية الأمر، فسعى له سعيه، وعلم سننه، وتدبّرها، فتكاثر ونما (Proliferation and growth)، وغزا (Invasion) واستعمر (Metastasis)!.
 

من تنبع قوته من داخله، ومن يستجمع أسباب نجاحه من داخله، لن تضره الظروف الخارجية مهما قست

إذ علِم أن أوعية الجسم التقليدية لا تكفي طموحه، فعمل على تصنيع أوعيته بنفسه، وتعد هذه الميزة أمارة على شدة الخبث الورمي، إذ كلما كان الورم قادرا على استحداث أوعية جديدة، كان أسرع نموا واجتياحا واستعمارا وأشد تدميرا.
 

ليت شعري، ما حال دول اقتصاداتها رهينة بالاقتصادات الخارجية، ولو قطع الطحين عنها، لبلغت البطون الحناجر، أو تستجدي الغرب والشرق ليعطيها من الأسلحة ما تدافع به عن نفسها.
 

ولقد نجح العلماء في علاج بعض الأورام الخبيثة في استخدام مواد تكبح تكوّن الأوعية الدموية في الورم، وهذا مجال واعد لعلاج الأورام اسمه "Anti-angiogenic Therapy"، ومثلما فقه علماء الغرب هذا الأمر، فقد فقهه ساستهم، فورقة الحصار الاقتصادي، وقطع تصدير المنتجات التي تتقي به المجتمعات جوعها وخوفها، كل ذلك يعد من العوامل القوية التي تلوى بها ذراع أي دولة أو مجتمع.
 

وبعد كل ذلك وقبله، سيحكني جلدي إن لم أعرج على السادة، فقهاء الجانب المظلم من النفس البشرية، الذين لا يزالون يفصلون التدين عن هذه المجالات الخطيرة، ويشوهون معنى تلاوة القرآن ومعنى السنة!
 

وما القرآن إلا منظومة سننية تدبّر أمر الأنفس -إن تدبرته بحق- لتخلق واقعا صالحا بالعمل الصالح. وما السنة إلا علم بسنن الكون لإقامة حضارة الإيمان وكبح طغيان الطغيان، فالنبي العظيم، فقه عصره، فعرف كيف يفيد من سننه وعلومه.
 

بقي أن أقول: تعلم من السرطان -أيها الإنسان- الذي اعتمد على نفسه فطور إمكاناته فارتقى في الأسباب.. فمن تنبع قوته من داخله، ومن يستجمع أسباب نجاحه من داخله، لن تضره الظروف الخارجية مهما قست، لأنه سيجد في نفسه ما يعينه على تجاوزها، وهنا يقول لك الجسم: إنه إن أصيب نسيج منه بجلطة تسد منفذ حياته من الدم، لجأ إلى استحداث أوعية جديدة، يصل بها إلى النسيج المحاصر! وهذا ما يسمى بـ"Collateral circulations". فالجسم يصلّي على أنسجته، أي إنه لا يقطع صلته بهم وكلهم على رسالة واحدة.
 

وسيحكني جلدي مرة أخرى، فأقول: إن بعض دعاة الغبراء، لا يزالون يصورون للمسلمين أن الصلاة على النبي الكريم هي مجرد شقشقات لفظية، ورياضات لسانية، تبلغ الألوف أو الملايين، يهلِك بها المغفلون عمرهم، فلا كان عمرهم.
 

وأفصل الصلاة وأتم التسليم، على الذي أقسم الله بعمره، لأنه جعله وقفا كاملا للرسالة العليا. "لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ" [الحجر: 72]. نعم، لقد جعلوا من الصلاة عليك سكرة يعمهون بها عن الاقتداء بكّ. أعلن أن كلماتي هذا صلاة عليه. اللهم اغفر لي ما لا يعملون واجعلني خيرا مما يظنون.