بلادي إن جارت علي كريهة!

blogs-مصر
 
كتبت علينا الغربة وهي كره لنا، وعسى أن تلفظنا بلادنا وتتنكر لنا الدور بعد عمار. أتساءل اليوم ما الذي خلَّد أبيات شعر تنسب لأبي فراس الحمداني تنشد بحب بلاده إن جارت عليه، لربما عاودت الشام احتضان فارس القلم والسيف، كما لا تفعل اليوم مع الطفل عمران وحمزة الخطيب، لكن مصر التي هبطت لمستوى ترفض فيه كل ما سألناها من حب وحرية، لم تعد تحن علينا يوما، بل لم تخفف عنا قسطا من العذاب.
 
أنهيت لتوي صراعي الداخلي بين روح تتلمس العذر لجهل ومرض وفقر لا يصنع ثورة، ونفس ترى أن كل النسق الأخلاقي للمصريين قد انهار فجأة

ما لأوطاننا قطعت كل حبائل المحبة بها، لماذا يرتفع الأدرينالين في دمي حين أبصر مصريا مثلي في مطار من مطارات الدنيا، أتساءل هل هو ممن قتل أو حرض مفوضا الجنرال في القتل، أتراه سكت فقط أم رقص على جثتي؟

في طابور تجديد الإقامات تلتقي أعيننا، تحدثني نفسي كيف أني هربت خوفا على حياتي فيما هو قد جاء طلبا لتحسين دخله، وما سيلبث أن يعود لوطن ارتضى حرماني منه، يستبد بي التهجم في وجهه إلى أن نغادر القاعة أو يثبت العكس، وأتبين أنه مثلي من ضحايا انقلاب عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو/تموز 2013، وهو اليوم الذي فرض واقعا بشعا تغنى به مطرب العسكر علي الحجار "إحنا شعب وانتوا شعب".
 

في المساء حين أشاهد حصاد القتل والاعتقال والفقر في التلفاز تتوسل إلي ابنتي ألا نعود، تخشى الإجازة أن تحملها طائرة إلى القاهرة، قاهرة أبيها الذي تبصره يبكي عمها وهي لم تعش معه كثيرا.

في طريق المدرسة تعقد مقارنات بين بلد إليه هاجرت ووطن منه هربت "إحنا في أمان هنا يا بابا"، تترجاني ألا أنكث بوعد قطعته لها منذ عامين، في البدء كنت أحاول أن أكذب وأتجمل: "مصر هي أمي.. نيلها هو دمي"، لكني لم أعد أقدر أن أتصنع حبا من طرف واحد، وبمرور الأيام صرت لا أكترث، بل إني أحمد الله، أني اليوم محسود على نعمتي "أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف" خارج مصر.
 

أنهيت لتوي صراعي الداخلي بين روح تتلمس العذر لجهل ومرض وفقر لا يصنع ثورة، ونفس ترى أن كل النسق الأخلاقي للمصريين قد انهار فجأة، واستحل الشعب دم فصيل منه على وقع رقصات "تسلم الأيادي". وفيما طارد الدهماء المسحورون بعكاشة جنازات ضحايا رابعة بالحجارة، سكت عن قتل "الإخوان" إعلاميون كانوا بالأمس يصدحون "طول ما الدم المصري رخيص.. يسقط يسقط أي رئيس"، و حرض غيرهم ممن أكلت معهم "عيش وملح" على القتل دونما خجل، وفوق كل ذلك يكابرون اليوم على الاعتذار بأن مكايدتهم السياسية قتلت أسماء البلتاجي وحبيبة عبد العزيز وشقيقي إبراهيم زلط ومئات غيرهم، وأنتجت مصر منزوعة الكرامة والحرية، فيما هم لا يزالون أسرى متلازمة "30 يونيو ثورة، و3 يوليو انقلاب".
 

حسنا يا مصر التي في خاطري طاردتني.. و لم تظفر بي قتيلا في "سيارة الترحيلات" أو أسيرا في "العقرب".. وجب اليوم تقديم اعتراف في خطاب مسجل بعلم الوصول، تعبر عنه أبيات واقعية اقتبستها من موجوع مثلي ألقاها في بحر الفيسبوك ثم مضى:
 

لست أبالي اليوم بكل ما يربطني بهذه البقعة التي ترزح تحت السلطة المصرية، مصر اليوم ليست أمي، مصر أم الفراعنة، استخف فيها الجنرال قومه فأطاعوه

ولست مثاليا لأنشد كاذبا .. بحب بلاد ذُلَّ في أرضها الهامُ
بلادي إن جارت علي كريهة .. وأهلي إذا ضنوا علي لئامُ

عبثا حاولت البحث عن قائلها الذي حرف الشعر ليكون صادقا مع واقعنا، لكني لم أفلح.
 

لقد نزلت هذه الأبيات على قلبي بردا وسلاما، أدرك اليوم أن حجم الشرخ الاجتماعي بيننا كمصريين أعمق من أن يلتئم، قاومت ما أستطيع كل مشاعر الإنكار لحقيقة كرستها ثلاث سنوات من الغربة القسرية تخللتها تجربة فقد أليمة.. قتلت بلادي أخي بعد أن جارت علي، فكيف تصبح كريمة، ورأيت شماتة بعض أهلي وكثير من زملاء مهنتي في الدم، وحين لم أتمكن من أن أواري جثمان أخي فكيف يكونون كراما.
 

لست أبالي اليوم بكل ما يربطني بهذه البقعة التي ترزح تحت السلطة "المصرية"، السلطة التي احتكرت المكان والزمان والإنسان، واستكثرت على أسرة أن تبيت ملتئمة منذ ثلاث سنوات، نحن مشتتون اليوم في منافي الأرض، وفي جوفها استقر أصغر الذكور وأجمل روح أسلمت الأمانة إلى بارئها.
 

مصر اليوم ليست أمي.. مصر أم الفراعنة.. استخف فيها الجنرال قومه فأطاعوه!