"اللآئكية" ومحاكم التفتيش الحديثة: حين تكون تغطية الجسد جريمة

blogs - france
إنه ذلك المشهد المستهجن للشرطة الفرنسية على أحد الشواطئ، تحيط بامرأة لتجبرها على نزع ثيابها، تزاحمت في رأسي حينها كل الصور التاريخية لمحاكم التفتيش في إسبانيا حيث كانت تستهدف المسلمين واليهود ممن أجبروا على اعتناق المسيحية للتأكد من صدق إيمانهم، بينما كانت تلك المحاكم في حقيقة الأمر وسيلة ملوك قشتالة لتطهير مملكتهم من غير الكاثوليك، قبل أن يلجؤوا في مرحلة لاحقة إلى الاستئصال الكلي والنفي الجماعي، وعلى الرغم من إلغائها عام 1834م بقيت محاكم التفتيش وما صدر عنها من بشاعات نقطة مظلمة في تاريخ أوروبا، ومثالاً صارخاً على التعصب والقمع والإكراه، مرتبطاً بالنموذج البائس لفساد الدولة الدينية السلطوية، فهل عادت محاكم التفتيش من جديد في إطار اللآئكية؟

مع اقتراب مواسم الانتخابات تسعى الأحزاب السياسية إلى حشد جماهيرها طمعاً في زيادة مكتسباتها

تتجاوز القضية المثارة في فرنسا مؤخراً حول ملابس السباحة "الساترة" مجرد حظر نوع من اللباس، بدعوى مخالفته "معايير" معينة تمثل "إخلالاً بالنظام العام". ولإن ألغى مجلس الدولة الفرنسي باعتباره أعلى سلطة قضائية إدارية قرار البلديات بحظر هذا اللباس في المسابح والشواطئ، تبقى محاولة المنع في ذاتها بحاجة إلى فهم أعمق لأبعادها، وإن هي أفشلت الآن جزئياً فما الضامن ألا تنجح محاولات أخرى لاحقاً؟ وينبغي مقاربة المسألة من زاويتين: أولاهما دعائية سياسية، والثانية اجتماعية هويّاتية.

فمع اقتراب مواسم الانتخابات تسعى الأحزاب السياسية إلى حشد جماهيرها طمعاً في زيادة مكتسباتها، وطبيعي أن تقدّم برامج الأحزاب المتنافسة حلولاً حقيقية لمشاكل يعيشها الناخب، لكن قسماً منها – خاصة ما يعرف بالشعبوي أو اليميني المتطرف – لا يكترث إن كانت لديه رؤية سياسية وبرامج واقعية، بل لا يأبه – وقد نشأ على منطق استقطابي بالأساس، أن تكون وسائله أخلاقية أو نزيهة تراعي كافة مكونات المجتمع، فالمهم أن تحقق مصالحه الضيقة، حتى لو عملت حرفياً على ليّ عنق الحقائق، ونشر الخوف، لجني مزيد من الأصوات، وغالباً يلزمهم لتحقيق ذلك "كبش فداء" أو "فزاعة" لتشكل من خلالها بأصوات الناخبين جسراً تعبر عليه تلك الأحزاب إلى البرلمان أو سدة الحكم.

منذ أحداث سبتمبر 2001 تنحصر تلك الفزاعات في الأجانب عامة، والإسلام وأتباعه خاصة، وقد زادت حدّتها بالتأكيد بعد موجات اللجوء الأخيرة، والتضخيم الدعائي من أثرها على التغيّر الديمغرافي، ثم الهجمات التي استهدفت عدة بلدان أوروبية وتبنتها جهات تنسب نفسها للإسلام، فانتقل الحديث لاستهداف القيم الأوروبية، وكأن هذه الحوادث الإجرامية تخدم أجندة يمينية مشتركة عبر ضفتي المتوسط، وشقّيها المتناقضان أيديولوجيا يتحدان عملياً في استهداف الوجود المسلم في الغرب، والسعي الحثيث لتشويهه وشيطنته وتقويض إيجابياته، لتبقى الفزاعات تربة خصبة لخطاب الكراهية عامة، الذي يتعامى مؤيدوه عن مشكلات الواقع، ولا بضاعة لديهم سوى التخويف والاستقطاب، مع عدم القدرة على التحدي وتحمل المسؤولية السياسية بما تعنيه من تبعات، وأقرب مثال الأحزاب التي نادت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولجأت حينها إلى دعاية خادعة ما لبثت أن تبرأت منها، ليتوارى معظم رموزها من صدارة المشهد، خاصة بعد الخسائر الفادحة التي مني بها الاقتصاد البريطاني.

مكمن الخطورة حين تصبح القضايا التي تمس القيم والحريات والحقوق الأساسية محلاً للمزايدات الانتخابية، وتتخلى بقية الأحزاب عن قيمها لتسقط في فخ مجاراة دعاية اليمين طمعاً في الحفاظ على أصوات ناخبيها أو حصد المزيد منها، وفي هذا السياق يقرأ تصريح رئيس الوزراء الفرنسي حين اعتبر "هذا اللباس ترجمة لمشروع سياسي ضد المجتمع مبني على استعباد المرأة"، فهو تصريح يتماهى من ناحية مع الدعاية اليمنية، ويعبّر عن فلسفة قرار الحظر من ناحية أخرى، فهذا القرار محاولة لا تخلو من إكراه على نمط معين من السلوك، يراه أصحابه "منفتحاً وتقدمياً"، مقابل نمط آخر يصنف تبعياً بـ "المنغلق والرجعي".

من المفارقة أن اللائكية التي نشأت كرد فعل على تغوّل "السلطة الكنسية" المزدوجة والفاسدة، تتخذ الأن الإسلام وبعض اختيارات المنتمين إليه خصوماً

بينما "الاستعباد" الذي يتحدث عنه مؤيدوه يتحقق في المنع من الفعل كما في الإجبار عليه، فهما وجهان لعملة واحدة اسمها "مصادرة الحق في الاختيار"، خاصة حين يكون صيرفي هذه العملة أعور يرى بعينه اليمنى فقط. كما أن هذه المقاربة الانتقائية تستبطن العلاقة "الاستعلائية" القديمة بين فرنسا التاريخية وسكان مستعمراتها، أولئك الذين انتقل قسم منهم إلى الحياة على أرضها لكنها صارت تضيق بهم، على الرغم من أجيالهم المتعاقبة التي لا تعرف سواها وطناً ولا تتقن غير الفرنسية لغة.

وبالتنقيب في كوامن هذا الجدل في الحالة الفرنسية خاصة، نجده يشي بصراع أعمق بين ما يسمى بـ "الهوية الوطنية" التي تزعم أنها تستمد سطوتها من تقاليد "التنوير والحداثة"، مقابل "الهوية الطائفية" وهي عند منظّري الأولى كل ما يشذ عن تلك المسطرة، حتى لو كانت بمعايير مزدوجة في معظمها.

قد نجد مبرراً لمثل هذا التصرف في المجتمعات المنغلقة التي ترى في أي متغير ثقافي خطراً يتهدد هويتها، لكن كيف والحديث عن بلد بحجم فرنسا التي رفعت بعد ثورتها شعارات والحرية والمساواة والإخاء؟! إنه إذن أحد تجليات العلمانية المتعصّبة، التي لا تكتفي بفصل الدين عن السياسة، بل تعاديه وتطارد مظاهره في الفضاء العام، وفي مسيرتها تلك تحاول سحق أية هوية حتى ترى المواطن الفرد مجرداً من كل خلفية سوى الانتماء لقيم العلمانية الفرنسية بكل ما تعنيه، حسب تفسير حراسها.

من المفارقة أن اللائكية التي نشأت كرد فعل على تغوّل "السلطة الكنسية" المزدوجة والفاسدة، تتخذ الأن الإسلام وبعض اختيارات المنتمين إليه خصوماً، بينما لم يكن لهم في الأمر حينها ناقة ولا جمل – وكأنها تستلهم التاريخ لإشعال معركة غير عادلة حول اختيارات "المرأة المسلمة"، فتحملّها المسؤولية عن سلوك من استغلوا "المسيحية" قديماً لأغراض خاصة، بينما راهبات "الكنيسة" بلباسهن "الديني" في الفضاء العام – بل على نفس الشواطئ – غير معنيّات بما يجري!

عملياً تخلق تلك التطورات حالة من الاستقطاب المتنامي، لتشكل بالمحصلة تحدياً جديداً أمام الفرنسيين من أصول غير أوروبية، يراد بها وضعهم أمام "خيارات حدّية" تدفع لاعتماد إحدى الهويتين، ومن ثم الإقصاء بالتبعية من غيرها، حتى لو كانت المعنية مسلمة شقراء فرنسية الآباء والأجداد.

وهو ما يضع علامة استفهام حول حدود وضوابط سياسات الإدماج أو الاندماج، وتفسيرها الأحادي الفضفاض، بداية من التفاعل الإيجابي في الفضاء المجتمعي بما يستلزمه ذلك من أدوات لغوية وثقافية، وصولاً إلى التذويب والانسلاخ من الذات الفردية لصالح الذات المجتمعية، حيث تتلاشي المساحة الفارقة بين ما هو خاص وعام، لتكون الضحية هي حرية الاختيار.