شعار قسم مدونات

عودة أيلول

blog فقر
 
قد لا تكون الفكرة مُلحَّة لدى فئة من الناس، فعادةً يكون التركيز على حالة الطقس العامّة خلال الشهر، إن كانت صيفيّة أو شتويّة، وأمّا في الحالة الشتويّة على غير الفصول، فتبدأ المنازل عمل استطلاعاتها حول اقتصاديات السوق الحديثِ المربكة -في وضعها الطبيعي- وفي تأمين احتياجاتها من غذاء ودفء وملبس قبل هطول حبّة المطر الأولى. 

هؤلاء الأشخاص يملؤهم الفَهم الواقعي للأشياء والتعاطف مع الآخرين، فهم يتألمون مع كل مشهدٍ يُعرض من أفلام الحرب والتشرذم الشتائي

وإذا تحدّثنا عن الفئة المعنيّة بالأدباء والقرّاء، فتلحّ على بالهم فكرة الجلوس أمام المدفأة مع كوبٍ من الشاي الساخن، يصطحبون كتاباً أو روايةً يعيشون بها حالةً من الدفء التي تأتي من رائحة الورق وملمس القلم أثناء التدوين على أقرب جدار موجود، وأمّا الفئات التي تستمدّ قوت يومها من الأغنيات الهاتفة بحرّيات الشعوب، فهؤلاء الأشخاص يملؤهم الفَهم الواقعي للأشياء والتعاطف مع الآخرين، فهم يتألمون مع كل مشهدٍ يُعرض من أفلام الحرب والتشرذم الشتائي، يريدون أن يجعلوا شيئاً منهم هناك يحنوا على الأطفال والأمهات والآباء الذين يقضون شتاءهم بلا جدرانٍ أو سقف، بلا دفء يعيد لون البشرة الطبيعيّ إلى وجوههم.

ولا ننسى الأشخاص الذين يعتبرون بدايتهم مع فصل الخريف غير موفّقة، فكانت معاناتهم حول محور الرحيل والخسارات، أحدهم يستيقظ في الصباح الأول من سبتمبر/أيلول، يضع يده على زرّ الراديو يقلّب بين المحطّات، فتصدح فيروز بأغنيتها "الورق الأصفر، شهر أيلول"، يفكّر في إيجاد طريقته الخاصّة للخروج من الأعماق السحيقة، وآخر يكون – ببساطة- نائم.

ما زلت أذكر؛ كان الوقت أثناء فترة صفوفي الإعداديّة في المدرسة الحكوميّة، أذكر يومها الأخبار التي كانت متداولة صباحاً بين الطّالبات والمدرّسات حول أنّه سيتم تزويد المدرسة بتدفئة مركزيّة طوال فصل الشتاء، لا أنسى ردّة الفعل والبهجة العارمة التي حظيت بها مجموعة من الطّالبات فرحاً بهذا المشروع، كأنّهنّ ربحن مليون دينار، تساءلت وقتها عن حاجتنا للدفء، وكم يلزمنا من الوقت كي نشعر برعشته بعد البرد! آهٍ من تلك الرعشة التي كنت أسمع صوتها، عندما كانت تأتي "زينب" إلى الغرفة الصفيّة صباحاً مبللةً ترتدي الزيّ المدرسيّ، ولا أدري ما إن كان يلفّ جسدها غيره.

أذكر كم كانت مديرة المدرسة صارمة في عملها، تمارس الدقّة والنظام، تحديداً في حرصها على ارتداء الطالبة الزيّ المدرسيّ أثناء فصل الشتاء، فكانت في الساعة الصباحيّة تباشر عملها باصطفافنا ومرورها علينا للتأكد من ارتدائنا الزي المدرسي تحت المعطف، كنت أراها تمرّ على زينب كأن زينب أمامها لا تملك كيان إنسان، لأنّها كانت الوحيدة التي تلتزم بارتداء الزي الأخضر، وهذا أمرٌ كان يسهّل عمليّة التدقيق على المديرة ويختصر من الوقت ما يجعلنا ندخل الغرفة الصفيّة بشكلٍ أسرع.

عندما نضجت قليلاً وعثرت على القليل من اللّغة، أدركت أنه لا قيمة للإنسان عندما يكفّ عن الشعور بالصدمة وأحزان الناس أبداً

في الفترة نفسها، تمّ تنفيذ مشروع تأمين المعاطف الشتويّة للطلاب الفقراء، لا شيء يضاهي فرحة الفتيات الصغيرات في الابتدائي أثناء ارتدائهم المعطف، مع أنني كنت أراه غير أنيق، وهذا أمرٌ ليس غريبٍا على فرد تتوفر لديه كلّ احتياجاته، ولكنّي لم أكن سيئة إلى هذا الحدّ، فأذكر أنني عبّرت لزينب عندما كنت برفقتها بأنّه جميل ولائق، وللصغيرات قلت: "انّوشوهالجاكيت الحلو!". 

عدت إلى المنزل وأنا أشعر كأنه لا شأن لي في كلّ ما حدث، وهذا الأمر كان يشكّل هاجساً يومياً لي، لم يكن باستطاعتي التعبير عنه، وعندما نضجت قليلاً وعثرت على القليل من اللّغة، أدركت أنه لا قيمة للإنسان عندما يكفّ عن الشعور بالصدمة وأحزان الناس، أبداً. 

تقدَّم الوقت بنا وضعنا في محطّات الحياة، ولا أدري الآن عن حال زينب؛ "يا ربّ هالشتويّة تكوني دافيه"، وهنا في جزيرة المدوّنات، أدرك أننّا جميعا تلح علينا الفكرة ذاتها، أصبحنا نريد استعدادات نفسيّة على الأقل، حالمين بألا تهب العاصفة في وجه مَن لا يملك معطفاً، على الأكثر.

نحن الآن نقف بين أن نقول "أهلاً أيلول".. وأن نقول "أيلول لا تأتِ، أرجوك". 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.