شعار قسم مدونات

ذكريات جدي.. قنديل حاضري

blog جد

أما أنا فلا تؤلمني الذكريات، على العكس فإنها قوت حاضري الذي أرجع إليه كلما قرصني الجوع لفرحة حقيقية تُضحكني وتبكيني بنفس الآن.

جلستُ بجانبه وهمستُ له بأذنه: "سيدي كم عمرك؟" وأنا التي أدرك حرصه الشديد على التفوه به صراحةً أمام أي أحد. ردّ علي باسمًا "بحكيلك يا سيدو، بس ما بتحكي لحدا، أنا مواليد 1945 يا سيدو". ضحكت من رده وعلى حِسّ الطفولة الذي لم يرحله رغم سني عمره الطويلة وضحك بالمقابل هو الآخر لضحكي.
 

الذكريات جميلة عذبة حتى تلك المُحزنة منها، فترانا نضحك مما أبكانا بالأمس، ثم نبكي على انقضائها منا وسلبها لأمر عزيز فينا لا نعرف ماهيته لكننا نفتقده

"اسم الله عليك يا سيدو عقبال المية إن شاء الله تعيشهم وانت لساتك متل هلأ بعز شبابك"، وجاء رده سريعًا كما توقعت، ابتسامة صادقة، وقلبٌ تملؤه النشوة لضحكي، وعينان تلمعان فرحًا بالدعوة التي راق له نصفها الأول ونصفها الآخر أعاده لعمرٍ لم يعد يشبهه الآن.

سؤالي ذاك كان الحجر الذي يُقذف في وسط النهر فيستقر بعمقه بعدما يستفز سكونه ويجعل عكورته تختلط بنقاوته، فوضاه بهدوئه.. 
 

ومن هنا بدأ جدي يسرد لي ذكرياته المحببة إلى قلبه، ذكرياته التي سمعتها منه ألف مرة ولا أفتأ أستفزه لقولها لي مرة أخرى؛ ليس محبةً فيها وسعادة بها وحسب، بل للمعة عينه تلك وحماس يديه وهو يؤشر ويلوح بهما ويخبرني بأنه كم كان شابًا قويًّا شهمًا، يُشتد به الظهر وتوكل إليه المهام الصعبة.. ذكرياته التي يخفف الحديث عنها وحشة حاضره، ويُطفئ نار الشوق التي تقحم قلبه بين فينة وأخرى. 

إن الذكريات جميلة عذبة، حتى تلك المُحزنة منها، فترانا نضحك على مما أبكانا بالأمس، ثم نبكي على انقضائها منا وسلبها لأمر عزيز فينا لا نعرف ماهيته لكننا نفتقده.
 

الذكريات هي التي تُحيينا وتُبقي الورد في قلوبنا يانعا ونديّا كما زرعناه أول مرة 

"

الذكريات وحدها هي التي تروي عطش اليوم بدمع الأمس، فتأخذ بأيدينا نحو عوالم وأمكنة خطوناها ونسيتنا ثم لم ننسها..

تُلبي لنا النداء حين نهم بمناداة من نشتاقهم ثم لا نجد سوى رُفات ذكرياتهم تأتي إلينا مهرولة تلقانا ولا تلقاهم..

نحن نتذكر كي لا يقتلنا النسيان، كي نغدو أجمل وأبهى بما كُناه بالأمس، وجدي أجمل من ذكرياته، وأنا أحبه حين يروي لي ذكرياته وتأخذه الغمرة فيها وهو يرويها ثم يمسح دمعة متمردة عن سرب دمعه العصي عن عينيه، يُخفيها وأراها. 

من قال إن الذكريات تقتل؟ الذكريات هي التي تُحيينا وتُبقي الورد في قلوبنا يانعا ونديّا كما زرعناه أول مرة فينا..

والورد الذي في قلب جدي له قداسة تُشبهه، جذوره تمتد إلى قلبي، تزيده طهرًا وقداسة وتُربت على العبء الذي يحمله لتُعينني على الحاضر.