ثقافة الحكواتي

blogs-الحكواتي

في الماضي كان التلفاز هو الجهاز الذي يصلك من خلاله البث المرئي وكنت في الغالب تستطيع أن تختار ما تشاهده أو أن تغلقه وتتحاشى ما يقدم من برامج إن لم ترغب فيها.

 

أما في أيامنا وقد أصبح جهاز "الموبايل" صديقنا الذي لا يفارقنا فأصبحت مقاطع الفيديو تهاجمك بشكل عجيب ويصعب عليك في بعض الأحيان تحاشي كل ما يصلك ففضولك يدفعك للمشاهدة.
 

وكوننا من أبناء بيئة مسلمة محبة للدين فإن أكثر ما يصلك هو فيديوهات للدعاة بمختلف مشاربهم خاصة المشهورين منهم ورواد الفضائيات.
 

ما لفت انتباهي في أسلوب هؤلاء الدعاة عمومًا أنهم أقرب إلى القصاصين والحكواتية منهم إلى العلم مع أن بعضهم قد يملك مستوى علم شرعي جيدا بل قد يكون ممن يحمل الشهادات العليا لكن يبدو أن الحكواتية هي الثقافة السائدة.
 

تراهم يكثرون من حدث مع فلان وفلان فعل كذا فصار كذا وفلانة أساءت لأخرى فابتلاها الله بكذا وآخر جعل لنفسه مجلسا علميا مع الدجاج فجلست مستمعة منصتة له ومن شاغبت منهن قام الديك بتوبيخها.

هذه القصص غالبًا ما تعطي شعورا بالسكون الداخلي لدى العامة والاتكالية، وتحول الدين إلى مجموعة من الأقوال غير المعروفة الأصل والفصل

 

ونلاحظ أن هذه القصص تركز في الغالب على المكسب المادي الملموس لترغيب الناس في فعل معين على طريقة الإعلانات التلفزيونية (فلان كان شديد البر بوالديه فرزقه الله زوجة رائعة الجمال مطواعة موفرة غير مبذرة.. فلان اشترى ورقة يا نصيب وربح الجائزة الكبرى ثم رماها خوفا من الله فرزقه الله الملايين من طريق آخر وأصبح من الأثرياء الذين تنظر الناس إليهم.. فلان لم يكن يرزق الأولاد فقرأ الصمدية 5617 مرة فرزقه الله ستة أولاد كلهم من الناجحين الفالحين البارين دكاترة ومهندسين).
 

هذه القصص -التي قد تكون حقيقية أو ملفقة والتي انتشرت إلى أن وصلت إلى هذا الشيخ اصطلاحًا الحكواتي حقيقة- غالبًا ما تعطي شعور بالسكون الداخلي لدى العامة والاتكالية والعيش في الأمل الذي قد يأتي على شاكلة القصة أو قد لا يأتي فيعقبه اليأس الشديد والقنوط من رحمة الله وما ذلك إلا لعدم فهم ذلك الحكواتي لسنة الله في خلقه.
 

والأهم قبل هذا وذاك أنها تحول الدين إلى مجموعة من الأقوال غير المعروفة الأصل والفصل بل قد تأتي بعكس الهدف النبيل الذي دفع الحكواتي لقولها.
 

الآن قد يأتي من يقول: يا أخي القرآن قص لنا الكثير من القصص والقصة هي من أساليب التأثير في البشر.
 

فأقول: صحيح أن القرآن قص لنا العديد من القصص لكن القصص القرآني له ميزات ونسق مختلف تمامًا عن قصص دعاتنا القصاصين ولم يكن القرآن بحال من الأحوال كتاب قصة قصيرة أو طويلة بل كان القصص جزءا من سياقه رواها رب العزة لنا مركزًا على العبرة الحقيقية وهنا الفكرة الثانية في الموضوع. هل الحياة تأتي على شاكلة العبرة التي توصلها إلينا قصص القصاصين؟
 

كما أشرنا غالبًا ما توصلنا قصص الحكواتية لنهايات دنيوية سعيدة للأخيار وتعيسة على الأشرار فهم هنا يحتاجون أن نجيبهم كما قال نزار قباني (الحب ليس رواية ياحلوتي بختامها يتزوج الأطفال).
 

فالله سبحانه وتعالى لم يحدد الجزاء والخير بالربح المادي فقط في الحياة الدنيا ولم يربط عقوبة الأشرار والظالمين بأن تظهر لعموم الناس في الدنيا أيضا هذا قد يحصل وقد لا يحصل. قد نراه وقد لا نراه.
 

هب أن أحدهم استمع لقصة تقول إن رجلاً أحرق ورقة يا نصيب رابحة خوفًا من الله فرزقه الله أضعافًا مضاعفة من الأرباح. فذهب المستمع وثارت عاطفته لا وعيه وتوقف عن أخذ الرشوة من وظيفته منتظرًا الأرباح الكبيرة ولم تأت هذه الأرباح (فالابتلاء والامتحان وارد في هذه الدنيا) بل قل دخله كثيرًا نتيجة تراجع وارداته التي أصبحت تقتصر على الراتب ولم يسع حق السعي لتدبير أموره بشكل صحيح متوكلاً على الله لا متواكلا عليه متكلاً على قصة لا نعرف أصلها هل سيستطيع من بنى فكره بهذه الطريقة أن يصمد أمام الابتلاء طويلاً؟ ألم نسئ إليه بأننا لم نبين له مفهوم الحلال والحرام بطريقة صحيحة ونبين له وجوب السعي والحركة لا الركون إلى كونه ترك الحرام فقط؟
 

ألم يقل الله تعالى لرسوله في القرآن: "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ". سورة غافر 77.
 

هذه الثقافة دليل خواء عند المرسل والمتلقي والمشكلة تكمن في المرسل تحديدًا فهو المطالب بتغير وعي الجماهير ونشر ثقافة العلم

ألم نر في سورة "يس" نموذجًا للصالح المصلح الذي لم يذكر القرآن لنا جزاءً حصده سوى الجنة في الآخرة بعد معاناته مع قومه في الدنيا: "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ. وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ. إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ. قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ. وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ. إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ. يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ". سورة يس 20 – 30.
 

خلاصة القول أن هذه الثقافة دليل خواء عند المرسل والمتلقي والمشكلة تكمن في المرسل تحديدًا فهو المطالب بتغيير وعي الجماهير ونشر ثقافة العلم والقرآن وتحويل أدمغة الناس من أدمغة مليئة بالعاطفة ضعيفة الوعي والفكر تعرض عن المحاكمة العقلية للأمور إلى أدمغة يملؤها القرآن والعلم والقدرة على محاكمة الأمور وقراءة الواقع للسعي نحو تحقيق المأمول في القريب والبعيد.
 

"لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ". سورة اﻷنبياء 10.