أسميتك مُلهَما

blogs - children
 
لم يكن سهلا علينا أن نخالف المعتاد ونخرج عن المألوف الذي يقضي بأن نسميك على اسم جدك، وهو أحلى الأسماء محمد، إلا أننا أردنا -أمك وأنا- أن يكون لاسمك ارتباط وثيق بأحلى ما حدث لنا ويحدث.
 
ولما أخبرنا أهلنا أنّه وقع الاختيار على اسم "ملهم"، لحظة ولادتك، كان قولهم إنه "اسم لا يشبهنا"، قصدوا إيقاعه الموسيقي مع كنيتنا واتساقه مع جرس أسماء أفراد عائلتنا الآخرين، إلا أن اسمك اسم يشبهنا كثيرا يا بابا، بإيقاعه الإنساني الدافق، وانتمائه إلى أعزّ ما نحسّ بالانتماء له اليوم؛ ثورة شعبنا ضد طغيان عائلة الأسد الطائفية المجرمة.
 
ما زلتَ صغيرا جدا يا بابا، لم تخط خطواتك الأولى بعد، رغم أنك تحاول بدأب طفوليّ حلو، فكل ما مضى مذ أشرقتَ علينا لا يزيد على سبعة أشهر، وإني أكتب لك عن معنى اسمك في ذاكرتنا اليوم، خوفا على ذاكرتك بعد نحو 14 عاما، حيث آمل أنه سيكون بإمكانك حينها أن تقرأ هذه المقالة، وأن تعي ما فيها.
 
حينما حان موعد العرس.. ذيلنا بطاقات الدعوة التي قدمناها للمدعوين: "جنّة الكبار منازلهم"، كان المدعوون هم الأطفال فقط، فحضرها في الغوطة والوعر نحو 800 طفل
تبدأ قصة اسمك، عندما بدأ والداك بالتحضير ليوم زفافهما مطلع عام 2015، وعدتُ أمك حينها أن أقيم لها عرسا لم يسبق له مثيل، وكنا التقينا وتعارفنا في مدينة إسطنبول التركية بعد أن وجدنا أنفسنا مكرهين خارج بلدنا التي تعيش أوج ثورتها، ويصبّ عليها هلباجة القرداحة وحلفاؤه الحمم، ويسومون أهلنا العذاب قصفا وتجويعا وحصارا.

ومنذ انطلاقة الثورة، بدأ الطاغية سياسة الحصار والتجويع منهجية لمعاقبة الشعب المنتفض ضد حكمه وجبروته، حاصر درعا، وبانياس مسقط رأس أبيك منذ الأيام الأولى للانتفاضة، قبل أن يعممها ويفرضها على عشرات البلدات والمدن طوال عمر الثورة.
وحين كان موعد زواجنا في شهر مارس/آذار 2015، كانت عشرات البلدات السورية تقبع تحت الحصار، لذا؛ قررنا أن نحتفل بعرسنا مع المحاصرين، فاتفقنا مع أصدقائنا من الناشطين داخل الغوطة الشرقية المحاصرة، وداخل حي الوعر الحمصي المحاصر، وفي بلدة الغسانية المحاذية للحدود حيث تعيش فيها عائلات من بانياس والبيضا كانت نزحت عقب حملة التطهير الطائفية المسعورة التي اندلعت يوم 2 مايو/أيار 2013، اتفقنا معهم أن يديروا حفل زواجنا، وأن يدعوا إليها الأطفال فقط، يخبروا الأطفال أنهم مدعوين إلى حفل زفاف حقيقي لعروسين وهبا فرحتهما لهم، وكان ذلك فعلا في الوعر والغوطة، بينما منع القصف قيامها في الغسانية.

كانت فكرتنا ببساطة، أن نقيم عرسا مزدوجا ومتزامنا في المناطق الثلاث، يفرح فيها الأطفال المحاصرون على نفقتنا، بينما نقيم أنا وأمك جمعة صغيرة معدومة التكاليف لأقرب الأصدقاء في إسطنبول حيث نقيم.

وذيلنا بطاقات الدعوة التي قدمناها للمدعوين: "جنّة الكبار منازلهم"، كانت حفلة عرس يحضرها الأطفال فقط، وحضرها في الغوطة والوعر نحو 800 طفل من أبنائنا هناك.

أردنا أن نكون متسقين مع أنفسنا ومع ما نؤمن به، ومع ما يحدث في بلدنا التي خرجنا منها عام 2014، وأن نكون أقرب لأكثر الفئات المتضررة من إرهاب نظام الأسد الأسود.

 
ويومَ ولدتَ، كان حصار نظام الأسد وعصابات "حزب الله" لبعض المناطق يقتل الناس جوعا في بلدة مضايا والزبداني، مسقط رأس أمك، كانت تتدفق من مضايا صور الأطفال والعجائز الذين ذابت أجسادهم، واضمحلت حتى اختفى لحمها، وصار منظر الواحد فيهم كهيكل عظمي، بينما كانت قائمة أسماء شهداء التجويع تكبر، والعالم يقف متفرجا.
إنّ اسمك اشتق من رفض الحصار واحتقار القائمين بجريمة التجويع، وازدراء من يخنق السكان في بلداتهم حتى الموت، لأجل هذا المعنى أسميناك ملهما
أردنا أن نجعل لاسمك مما يحدث في بلدنا نصيب، نريد أن نورثك ثورتنا وكفاحنا، فيما لو لم نتمكن من توريثك ثمرتها، حرية وكرامة وعدالة، فإنّا نترك فيك أثرا يدلك على الدرب الذي نرتضيه لك.

كان اسم الشهيد "ملهم الطريفي" يلمع في الذهن، إنه الشاب الذي هبّ لنجدة مدينة بانياس التي حاصرها النظام خلال مارس/آذار وأبريل/نيسان ومايو/أيار من عام 2011، لقد نظّم سيارة مساعدات من مدينته جبلة، القريبة إلينا، وقادها بلا خوف إلى بانياس تضامنا مع أهلها، وليخفف من وطأة الحصار.

قضى ملهم الطريفي شهيدا أثناء قتاله قوات النظام في ريف اللاذقية في يونيو/حزيران 2012، كان ثائرا حقيقيا بكل ما تعنيه الكلمة من شهامة وكرم ونبل، وقررنا أن نحيي شهامته ونجدته بأنّ نهبك اسمه.

فإذا ما سألك أصحابك يوما عن معنى اسمك، فلا تُقلبّن معاجم اللغة (مُلْهَم: من أَلهَمَ، يلهم إلهاماً فهو ملهِم واسم المفعول ملهَم، مَن له قدرة على توليد المعاني والأفكار)، لا، ما هذا معنى اسمك يا بابا!

إن معنى اسمك الذي من أجله انتخبناه لك، هو الشهامة والنخوة، وإغاثة ومحبة المحاصرين والتضامن معهم والسعي للتخفيف عنهم، إنّ اسمك اشتق من رفض الحصار واحتقار القائمين بجريمة التجويع، وازدراء من يخنق السكان في بلداتهم حتى الموت، لأجل هذا المعنى أسميناك ملهماً.