هل كان من ذلك بد؟

blog اليمن

 تحت وطأة الشعور بالخيبة وطغيان اليأس على النفس واستفحال الألم ومشهد الدماء والركام، يداهمنا سؤال مباغت يبدو وكأنه حصاد كل تلك الخيبات والحسرات وهو سؤال الجدوى من كل ما فعلناه خلال السنوات الخمس الماضية، وإن كان لما جرى خلالها من أحداث من بُدّ.

يقودنا هذا التساؤل إلى إعادة التفكير فيما جرى خلال السنوات الخمس الماضية، كلحظة مُكاشفة ذاتية وسط هذا الدمار المحيط بنا وهذه الأهوال التي يذهل عقل الحليم أمامها.

 

الثورة ليست مجرد حدث مادي يهدف إلى إزاحة سلطة وإحلال أخرى مكانها، بل إنها قبل ذلك وبعده إعادة وعي بالمنظومة الرمزية التي تتأسس عليها السلطة والتي تبرر بها وجودها وشرعيتها

هل كان من ثورات الربيع العربي بُد؟ ليس ثمة إجابة موضوعية لهذا التساؤل العريض، ومثله مثل الحياة حيث لا شيء صحيح مطلقاً ولا شيء خاطئ بالمرة، إنما هي التجربة الإنسانية التي تمنح الانسان مخزون من العبر والمواعظ.
 

لكن الأمور ليست بهذه النسبية أيضاً, ثمة حقائق جلية لابدّ من ذكرها إذا ما أردنا التفكير فيما حدث في السنوات الخمس الماضية, وفيما لو كانت لدينا خيارات أخرى ربما تكون أسهل وأقصر وأقل ألماً.

 

في رواية جورج أورويل "1984" والتي تتحدث عن نظام حكم شمولي يعيد إنتاج كافة نظم المعرفة والحقيقة والمعنى، ويعيد تشكيل التاريخ والزمان والمكان بل وحتى اللغة ذاتها، إلى الحد الذي لا يبدو فيه أي إمكانية لوجود حقيقة -فضلاً عن اكتشافها- خارج ما تقول به السلطة، يقف بطل الرواية وينستون أمام تلك العقدة التي بدت أمامه والمتمثلة في أنه "لاكتشاف الحقيقة لابد للناس أن يثوروا، ولكي يثوروا لابد لهم من أن يعرفوا الحقيقة."

 

بدت هذه العقدة لوينستون غير قابلة للحل، وعبثاً حاول الرجل أن يجد طريقاً لتوعية الناس خارج آليات الرقابة والسيطرة والهيمنة الرمزية والمادية التي نشرتها السلطة في كل مكان ولكن دون جدوى، قبل أن ينتهي هو في نهاية المطاف إلى الوقوع في شباك السلطة وأجهزتها القمعية الخفية التي تمكنها من التلاعب بالعقول والقناعات.

 

ليست الثورة إذاً مجرد حدث مادي يهدف إلى إزاحة سلطة وإحلال أخرى مكانها، بل إنها قبل ذلك وبعده إعادة وعي بالمنظومة الرمزية التي تتأسس عليها السلطة والتي تبرر بها وجودها وشرعيتها، تلك المنظومة التي تتعلق بأسئلة الشرعية والحق والخير والعدو والصديق, والتي تسعى كل سلطة بطبيعة الحال إلى الإجابة عنها وتطبيع أجوبتها في المنظومة الاجتماعية والثقافية والسياسية.

 

كان لابد لكل هذا أن يحدث حتى لا تردد الأجيال القادمة تلك الأكاذيب التي روجت لها الأنظمة والتي زورت بها التاريخ والحاضر وزيفت الوعي الشعبي وأفسدت الذوق العام والأخلاق الاجتماعية.

 

كان لابد لكل هذا أن يحدث حتى لا تغدو أسرة الأسد -التي أوغلت في دماء العرب بما لم تفعله أسرة من قبلها- واحدة من رموز المقاومة والممانعة، بينما كانت هي من تنازل عن الجولان وسلمه بثمن بخس وبصفقة دنيئة بينها وبين الصهاينة بهدف الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها كما بينت الحقائق لاحقاً.

 

كان لا بد لكل هذا أن يحدث حتى لا نعيد اجترار تلك المقولة السخيفة القائلة أن المخلوع حسني مبارك -الذي كان "كنزاً استراتيجياً" للكيان الصهيوني- هو صاحب الطلعة الجوية الأولى في حرب أكتوبر، وأنه بذلك بطلاً من أبطال التاريخ النضالي العربي ضد الصهاينة، أو أن ذلك الديكتاتور التافه معمر القذافي -الذي عمّم الجهل والانحطاط في بلده وعاث في الأرض فساداً عبر دعمه لكل التمردات والحروب الأهلية في العالم- كان رمزاً من رموز التحرر الوطني.

 

لم يكن أمام الشعوب العربية سوى الانتفاضة أو الموت، حيث لم تعدو الخيارات التي قدمتها هذه الأنظمة للشعوب أن تكون أكثر من موتٍ بطيء

كان لابد لكل هذا أن يحدث حتى لا يصبح المخلوع علي صالح -الذي لم يفعل شيء سوى تكريسه للجهل والفساد وتخريب الدولة اليمنية وتقسيم المجتمع اليمني- لا يصبح بنظر الناس صانع أهم منجز يمني وهو الوحدة بين شمال البلاد وجنوبها عام 1990، والتي باتت مهددة اليوم بفعل سياساته التي نظرت للوحدة كغنيمة شخصية لا كمشروع وطني.

 

طوال تاريخها الممتد لعشرات الآلاف من القرون، لم تعرف البشرية عصراً استشرى فيه التزييف والكذب كهذا العصر الذي نعيشه، قدمت وسائل التقنية الحديثة المتعلقة بالصورة ووسائل الإعلام والاتصال للأنظمة الديكتاتورية الشمولية أدوات استطاعوا من خلالها إعادة تشكيل الواقع وتزييف الحقيقة والوعي والتاريخ والحاضر على نمط الأخ الأكبر الذي تحدثت عنه رواية جورج أورويل، وأمام هذا التزييف العمومي الذي تمارسه الأنظمة الديكتاتورية لم يكن بالإمكان الكشف عن حقيقة انحطاط هذه الأنظمة وخيانتها دون انتفاضة جارفة تبطل التمائم التي عقدتها هذه الأنظمة لعقود طويلة.

 

لم يكن هذا التزييف المعنوي وطمس الحقيقة الذي مارسته هذه الأنظمة سوى الأرضية الضرورية للتغطية على جرائمها ضد شعوبها وتبريرها، ولشرعنة اغتصابها للسلطة والاستيلاء عليها بالقوة وممارسة القهر للناس وقمعهم في سبيل ذلك.

 

والحال هذه، لم يكن أمام الشعوب العربية سوى الانتفاضة أو الموت، حيث لم تعدو الخيارات التي قدمتها هذه الأنظمة للشعوب أن تكون أكثر من موتٍ بطيء ممثلاً باستلاب الذات وانسحاقها وانعدام الوعي والفاعلية والعيش في مجاهل التاريخ وهوامش الحضارة الانسانية.

 

لم تترك هذه الأنظمة الشمولية مساحة لفرص الإصلاح الداخلي التدريجي، ولم تقدم تنازلات حتى بعد هبوب رياح التغيير في عواصم عربية مجاورة لها، وعلى قدر شمولية الأنظمة العربية وانسداد وانغلاق الآفاق في البلدان التي ثار الشباب العربي فيها أتت كارثية المآلات، فلقد كان الخراب في سوريا وليبيا معمماً بقدر ما كان تعميم النظامين للكذب والدجل فيهما كبيراً وفادحاً، بينما حمت فسحة السياسة وهامش المناورة والوجود النسبي لمؤسسات المجتمع المدني في مصر وتونس البلدين من مآل مدمر كما في سورية وليبيا.

 

ليس السؤال الذي ينبغي علينا طرحه اليوم فيما لو كنا أسأنا التقدير بخروجنا في ثورات الربيع العربي، بل إن ما ينبغي طرحه بحق هو كيف تمكنت عصابة من العساكر البلداء من السطو على السلطة في بلداننا في غفلة من التاريخ, وكيف احتملنا لعقود طويلة العيش في ظل هذه الأنظمة الدكتاتورية.