عندما أصبحتُ "إرهابية" على متن الطائرة

blog طائرة

كان النعاس يغالبني وأنا أدلف إلى مطار كولومبس الأميركي متجهة إلى ولاية فلوريدا، لم أنم الليلة الفائتة خشية عدم اللحاق بالرحلة. أنهيت إجراءات السفر وانتقلت إلى البوابة المؤدية إلى الطائرة، فجأة انفتح باب واسع من الخلف وخرج ثلاثة رجال أمن عمالقة بزيهم الأسود، السلاح يتدلى من وسطهم، الجدية تكسو ملامحهم، اثنان منهم من ذوي البشرة الداكنة، بدؤوا يحومون حولي وعيونهم مصوبة نحوي، حاولت قدر الإمكان تجاهل نظراتهم وأنا على يقين أنهم هنا فقط لأنني موجودة بين عشرات الأميركيين.
 
سمعت صوت امرأة مستفز "يا للمفاجأة"، رأيت سيدة شقراء تبحلق بي، ثم نظرت لجارها، وقالت له: إرهابية مسلمة معنا في الطائرة.

بجولة سريعة بعيني اكتشفت أنني العربية والمسلمة الوحيدة في المكان، فتأكدت من نظريتي السابقة، ظلوا واقفين قربي لنحو خمس دقائق، كنت أنتظر منهم سؤالا أو طلباً بالتفتيش رغم خضوعي له مرتين على عكس الآخرين، في المرة الأولى عبر البوابة الإلكترونية كغيري من المسافرين، والثانية من خلال تفتيشي يدوياً لأنني رفضت خلع الكنزة التي كنت أرتديها في المرة الأولى كوني محجبة، وقد فعلت ذلك امرأتان، إحداهما شقراء والثانية سمراء، وصلن في تفتيشهن إلى شعري من تحت حجابي أمام المارة والمغادرين ورجال الأمن.. وهنا بالطبع لا مجال للاحتجاج أو الرفض.
 

بعد قليل اختفى الثلاثة، وحان موعد الرحلة، تمنى لي رجل التذاكر يوماً سعيداً، لكن للأسف لم يكن كذلك.. أثناء سيري نحو مقعدي الذي يحمل رقم "17 c"، سمعت صوت امرأة تردد بصوت عالٍ مستفز "يا للمفاجأة". فوراً انتقلت عيناني إلى مصدر الصوت، سيدة شقراء أظنها في العقد الخامس تبحلق بي، ثم أشاحت بنظرها نحو جارها، قالت له بصوت مسموع "تفضل هذه المفاجأة، إرهابية مسلمة معنا في الطائرة"، رد عليها بصوت منخفض بأنه يشعر بالخوف من وجودي معهم على متن الطائرة.

في تلك اللحظات تملكتني الصدمة المغموسة بالقهر، لماذا أنا؟.. ولم ترحمني عيون المسافرين أيضاً، تمنيت لو بإمكاني الركض داخل الممر الضيق وأن أصل لمقعدي، أخيراً وصلت، وجدت جارتي قد سبقتني، شابة شقراء ذات عينين زرقاوين، استقبلتني بابتسامة مصطنعة، فقابلتها بالمثل، وبقيت ذهنياً غائبة في الإهانة التي تعرضت لها قبل دقائق.


فكرت لوهلة أن أعود الى تلك السيدة، وأن أقول لها بحزم إنه لا داعي لأن تخافي مني، وإن "الجماعات الإسلامية المتطرفة" هي من صناعة الإرهاب الأميركي والغربي، لكنني التزمت مكاني والصمت!. لم أكن مستعدة للدخول في مواجهة سأكون حتماً الخاسرة فيها.
 

بقيت طوال الرحلة الممتدة لثلاث ساعات منشغلة بصورتي وصورة المسلمين "النمطية" كإرهابيين في أذهان الآخرين، لم أظن يوماً أنني سأخوض هذه التجربة، ثم تذكرت موقفاً حصل معي في لندن صيف عام 2014، يومها كنت في القطار برفقة عدد من الصحفيين الأجانب وقد انتهينا للتو من تدريب مع وكالة رويترز، جلس قبالتنا مسن، سألني بنبرة هادئة عن سبب تغطية رأسي فأجبته بكل احترام أنني مسلمة، وديني يطلب مني ذلك، لم يعجبه جوابي وقال لي "ماذا تفعلين عندنا؟ اذهبي إلى بلاد المسلمين الإرهابيين". أثار غضبي، هممت لمواجهته كلاميا وسط كومة من المشاهدين الصامتين والغاضبين من تعليقه، تبينت ذلك من ملامح وجوههم المستاءة منه، أوقفني من معي، وقالوا لي همساَ "إنه معتوه ولا يعبر إلا عن نفسه"! فتجاهلته.
 

سألتُ من تجلس بجواري في الطائرة إن كانت خائفة مني لأني مسلمة ومتحجبة، فأجابت: إطلاقا، وداعبتني بالقول: بالمناسبة أنت إرهابية جميلة

التفت إلى رفيقة السفر، بدا لي أنها خائفة مني ومن حجابي، وتحاول استمالة عطفي بتوزيع ابتسامات غير نابعة من القلب كي تمنعني من تفجير نفسي في الطائرة! أخيراً قررت وضع حد لهواجسي وسألتها إن كانت تخاف مني كوني مسلمة، فنظرت لي باستغراب، وقالت وهي تحرك رأسها يمينا وشمالا: إطلاقاً. فقصصت عليها ما جرى معي وتلك الشقراء في المقاعد الأولى من الطائرة، فاعتذرت لي عن تصرفها "السيئ" كما وصفته، ثم تابعت مبتسمة: "بالمناسبة، أنت إرهابية جميلة".. راقت لي الدعابة وضحكنا..

بعد أن حطت الطائرة تمنيت مواجهة تلك السيدة كي أخمد حالة القهر بداخلي، مشيت سريعاً كي أصلها، أردت أن أسألها من الذي أشعل الحرب العالمية الأولى والثانية؟ من غزا العراق ودمر أهلها وأرضها؟ من احتل أفغانستان وارتكب فيها الفظائع؟ هل هم المسلمون؟!!.. وحينما أصبحت بجوارها استبدلت أسئلتي النازفة برأسي بنظرة حادة وابتسامة عريضة.. ثم مضيت بعيدا وأنا أحمل صفة "الإرهابية الجميلة"!.

لا شيء في الدنيا يُعادل أن تكون متهماً بجريمة لا صلة لك بها من قريب أو بعيد، لا شيء يساوي القهر الذي يصيبك بسبب اتهام وإهانة أنت في غنى عنهما!