عائدة من غزة.. الطريق إلى المعبر

blogs-gaza

في ظل الربيع العربي وما أحدثه فينا من آمال، كانت غزة، كما هي الآن لا تزال، ترزح تحت الحصار، حصار يدفعك نحو كسره بكل ما أوتيت من قوة.
 

كنت تاسعة ثلة من الأطباء والصيادلة، حيث تطوعت لتغطية الرحلة إعلاميا، تلك الرحلة التي ستشهد تغيرا درامايا لم يكن بالحسبان.
 

ما بين السماء والأرض مسافة القدر الإلهي واختيارات المخلوقات، حكمة الرب ورعونة البشر، مقاومة الفلسطينيين واغتصاب الصهاينة

بقلب مليء بالأمل والإيمان، ودعنا الأحبة، قرأنا الفاتحة وأمنّا، ونحو الأرض المباركة يممنا، خمس ساعات هي المدة التي ستقطعها الطائرة لتحل بنا في أرض الكنانة.
 

حين تكون معلقا بين السماء والأرض، يشرد بك الذهن نحو حقيقة الحياة، وتنظر إلى رحلتك الوجودية كما لو كانت شريطا سينمائيا تتابعه، وتتناسل الأسئلة الوجودية دون توقف.
 

ما بين السماء والأرض، مسافة القدر الإلهي واختيارات المخلوقات. حكمة الرب ورعونة البشر، مقاومة الفلسطينيين واغتصاب الصهاينة.. هكذا تبدو لك طبيعة رحلتك المتداخلة بين مقعد الطائرة وسفينة العمر.
 

حالة وجودية تامة لا تنتهي، تتفجر رغبة في البذل والعطاء، تحقيقا لذلك الانسجام بين الاعتقاد والاختيار، كيف لا والوجهة ذلك المكان المفعم عواطف وشجونا؟ كيف لا والوجهة غزة الصمود في وجه الظلم والعدوان؟ ثم نغيب في عالم روحاني شاسع، لا يعيدنا إلينا غير صوت المضيفة وهي تردد "عشر دقائق وتحط الطائرة في مطار القاهرة".
 

هنا القاهرة.. نحن الآن في حضرة مصر الثورة، أثمرت أول حكم مدني في تاريخها.

ندخلها والأجواء مفعمة بالأمل، ونأخذ دورنا لختم الجوازات، ثم نُسأل إلى أين الوجهة؟ وبعزة نجيب "غزة"، بنصف ابتسامة يستأذن منا الضابط "خمس دقائق وتكون جوازاتكم جاهزة يا دكاترة". 
 

تصبح الدقائق ساعات، ويبلغ منا التعب مبلغه، لكنا مستبشرين نحسن الظن "البلد يا شباب لا تزال في حالة ثورة، لا بد أن نصبر ونتفهم". باستغراب نتبادل النظرات ولسان حالنا يقول لم يتغير شيء بل الروتين العادي أصبح أكثر تعقيدا.. وتمر الساعات ثقيلة.
 

أخيرا نادى المنادي "المغاربة يتفضلوا".. المغاربة؟ لم تعجبنا النبرة، فتداركنا فيما بيننا: نعم بالتأكيد نحن المغاربة، فـ"بابنا" للمسجد الأقصى هناك، و"حيّنا المغربي" سنعيد بناءه كما كان، وأوقافنا شرعية لا تزال تنتظرنا.
 

أخيرا غادرنا المطار بعد تحقيق وتفتيش ممل لم نفهمه.. غادرنا نحث الخطى نحو رفح الفاصلة، تسبقنا أفئدتنا بخمس ساعات، تنتظرنا هناك قبل وصول الحافلة. كم تطول المسافات وكم تمتد هذه الطرقات.. الشوق وحده يطوي معنا المسافات طيا.
 

في صباح التاسعة وصلنا، عيوننا بين التصديق والتكذيب، معبررفح أمامنا أخيرا، هذا المعبر الذي طالما كان شاهدا على مشاهد المنع والحصار، في تضافر مقيت بين عدو يتجهمه ونظام بائد قد تملك أمره. ها هو اليوم مفتوح أمام العابرين، وإن بقدر محسوب؛ فإجراءات التأكد من الهويات قد أخذت منا نحو ساعة من الزمن. وبطبيعة الحال، تغدو تلك الدقائق والثواني لدى المشتاق لأرض الأحبة ثقيلة مقيتة، خاصة وأن كل وقت نقضيه في هذه الضفة هو على حساب وقت يلزم أن ننعم به هناك.
 

أخيرا عبرنا المعبر، أخيرا ستطأ أقدامنا ولأول مرة أرض فلسطين، أرض المقاومة والنضال، أرض التضحية والفداء، أرض قيم الوطن والعروبة والإسلام. مشاعر تتجاوز اللغة المتداولة، عرفها من عايشها، وجهلها من حرم منها.
 

وظننا أنفسنا أننا قد اجتزنا الحواجز، إجراءات جديدة لتفتيش الأمتعة وختم للجوازات مرة أخرى. وهنا عدنا إلى الانتظار الثقيل من جديد، بل هذه المرة أثقل من سابقتها، أربع ساعات أخرى في وضعية تعيدنا إلى قرون ما قبل البريد.. يا الله!! في المعبر الصبر سلاحك الوحيد.
 

أخيرا، ختمت الجوازات وأخذنا الأمتعة وبدأنا الهرولة نحو باب الخروج، وإذا بضابط آخر يخبرنا بأن هناك رسوما يجب أن تدفع!! رسوما؟؟ ربما لأنه باب العبور الوحيد إلى فلسطين، فهو يحتاج من أجل الدخول إليه ضريبة من البلد الذي يسمح لك بالمرور منه.. عجبي؟ ولأول مرة يتبادر السؤال إلى دهشتنا: ألم تصل ثورة أرض الكنانة بعد إلى باب هذا المعبر؟