رحلة النزوح والموت

blogs - syr
لكل أجل كتاب، وآجال أطفال سوريا كتاب فتحت صفحاته فصارت صوراً وأشكالاً متعددة، والخاتمة واحدة، الموت قبل أن يبلغ الأجل محله، وقبل أن يصحو العالم السكران من سكره، وقبل أن تقف آلة الموت عن إنتاج الموت وتصديره قوالب نحو حلب ومضايا وداريا ودير الزور وغيرها، ولكل قالب موت مختلف..

لم يكن عمران إلا طفل قد خلت من قبله قوافل أطفال رحلت أو تنتظر، ومن ينتظر شاب رأسه قبل أن يبلغ أجله فبدى كعجوز تسعيني منحني الظهر يقترب رأسه من الأرض، ولا يكاد يرفعه، ينظر نظرات واجمة وخائفة وأعمق من أن تفهمها نفوس تخاذلت وهان عليها المشهد.

حين يخطو النازح  الخطوة الأخيرة على حدود الوطن، كل شيء يتبدل؛ السماء ليست السماء، والتربة ليست التربة، حتى البشر ما بعد الحدود مختلفون

تصمد عائلة في أخطر بقعة على وجه الأرض، تُمطر الرصاص والبراميل من كل حدب وصوب فتتمسك بالأرض والبيت أكثر، حتى يقع السقف على ساكينه فينزحون، جزء منهم نحو السماء صعوداً، والبقية نحو مكان أكثر أمنا هروباً من وحش الموت الجائع – الذي أطلقه القاتل – يبتلع أرواح من يجد أمامه ويقول هل من مزيد!!!

تصل العائلة نحو حدود الوطن؛ "والله إنك أحب بقاع الأرض إلينا ولولا أن النيران وصلت إلينا لتلهمنا ما خرجنا" يتمتمون وهم يعبرون الخط الفاصل بين الوطن والغربة، بين الوطن والتيه، يمضون نحو التيه في الأرض، والبرزخ الذي يظنون أن لا حياة بعده.

حين يخطون الخطوة الأخيرة على حدود الوطن، كل شيء يتبدل؛ السماء ليست السماء، والتربة ليست التربة، فالتربة الحمراء باتت ألواناً أخرى لكنها لن تعود حمراء كتربة بلادهم.. حتى البشر ما بعد حدود الوطن مختلفون.. لا يفقد الفرد من حياته أكثر مما يفقده على حدود الوطن، فالغريب غريب مهما كان..

وسايكس بيكو لم تعد حدوداً مرسومة فحسب ولكنها صارت جوازات سفر ولهجات وأعلام وسياسات دول.. والحد الفاصل بين الوطن وما بعده هو حد قبر قد تهوي فيه بفعل رصاصة جائرة من حرس الحدود هي امتداد طبيعي لذلك البرميل الذي هربت منه.

حين تعبر الحدود ستنظر ورائك وتتذكر أن الموت صور وأشكال ومواقف، وأنك نجيت من مئات صور الموت ولكنك كغريب ستلاحقك آلاف باقية من صوره تختبيء في ثنايا الأيام واللحظات.. صحيح أنك هربت من الموت جوعاً، وقد تكون هربت من الموت حرقاً، ومن الموت اختناقاً تحت الركام… آه من الموت خنقا.. فليس الاختناق تحت الركام أشد صعوبة من سواه فذلك أهون صوره، فالموت خنقاً بالكيماوي هو موت صامت ومؤلم درجة ألم فقد الوطن والأحبة والإنسانية كذلك..

قد تكون تجاوزت الموت جوعاً في منطقة محاصرة، تتمنى أن تأكل فيها القطط أو الكلاب أو حتى حشائش الأرض لتعود بك الذاكرة إلى حصار شعب أبي طالب، فتدرك أنك تضحي لأجل قيمة عظيمة..

قد تتجاوز كل ذلك، ولكنك ستواجه أشكال موت متجدد؛ ستواجه نظرة الشفقة التي تقتل كل مرة تلمحها في عيون كثيرين، وستواجه سخرية من قدر قد ابتلاك الله به، وستواجه إقامة لا تمنح لك إلا تكرماً وقد تنزع منك في أي لحظة، وستواجه حصاراً بوثيقة سفر ستستخدم ضدك ولن تمنح لك، وستموت جوعاً وبرداً كل يوم وليلة على حدود الوطن لأنك عزيز نفس لن تمد يدك للآخرين.

رحلة النزوح تسرق من الإنسان إحساسه حتى يصل مراحلها الأخيرة ببقايا مشاعر، كدمية مجردة من الروح

وحين تظلم الدنيا بوجهك، وتفقد الأمل، ستجد البحر يجذبك نحوه، ولكم تمنيت فيما مضى أن تذهب وعائلتك لتستجم في رحلة بحرية، ولكنها اليوم بنكهة أخرى.. نكهة الألم؛ الوصول أو الموت.. اتجاه اجباري واحد.. وستذهب في رحلة بحرية ليس فيها أدنى إجراءات سلامة على متن قارب يحمل عشرة أضعاف طاقته، ستجد الأمواج تحصارك، والموت يحيط بك من كل جانب، ووحوش بشرية تحاول نهش مالك ولحمك وما استطاعت قبل أن ترميك على الضفة الأخرى، نحو الجنة الموعودة إلى وحوش آخرين.. قد تصل لوحدك أو مع من قدر الله من أهلك أن يصلوا معك..

رحلة النزوح تسرق من المشاعر والأرواح ما تسرق، ولا تبقي إلا ما تريد.. النزوح قاس قساوة الصخور العاتية التي تمشيها بين الجبال وتدوس عليها قدميك حين تصل إلى الضفة الأخرى.. تمزق منك ما تمزق، فتصل بقلب مجروح وجسد منهك، ومشاعر مترامية.

رحلة النزوح تسرق من الإنسان إحساسه حتى يصل مراحلها الأخيرة ببقايا مشاعر، كدمية مجردة من الروح.. والطريق القاسية مليئة بالشوك والرماح التي لم يشأ العالم أن يمهدها وسيزيلها بعض العابرين تجملاً، ولكن البعض قد يحملها على ظهره ليصل إلى الضفة الأخرى وقد تبدل إلى متوحش مليء بالنقمة على كل من حوله.

وأنت قد وصلت إلى آخر التدوينة؛ هناك نازح قد خرج من بلده وبدأ رحلة نزوح مرغماً عن أمره.. فالنزوح ليس نزهة.