انتهى إغواء الصحافة.. أريد جمع القمامة

blogs-press

منذ أربع سنوات، وقبل أن أبدأ عملي في الصحافة المكتوبة، كنت أقرأ رواية "حب وقمامة" للكاتب التشيكي إيفان كليما، وأتندر على مواقف البطل فيها، فهو كاتب ومهندس سابق ومهتم بالفنون، قرر الهروب من الكتابة وأجوائها للعمل في جمع القمامة، يدور المدينة حاملاً مكنسته، متجاذباً أطراف الحديث مع بقية العمال، يدخن من سجائرهم الرخيصة، ويشرب معهم الشاي في الاستراحات.
 

حياة جمع القمامة -أو المهنة الأخرى التي فضلها البطل- موصوفة في الرواية بجمالية فائقة تجعلها محببة لنفس القارئ، لدرجة أنني اعتقدت أن البطل هو كليما نفسه، أو بلغة أخرى أن الكاتب يحاكي رغبة حقيقة منه بترك مهنة الكتابة إلى عمل آخر، رغبة منه بالحفاظ على توازنه الداخلي وليتذوق الحياة بشكل مختلف.
 

أي صحفي هو إنسان أولاً وأخيراً، وكل الأخبار التي ينقلها ويفحصها تضج بالمآسي والأوجاع،  وعلى مقدار انغماسه في الأحداث يصبح  غير قادرعلى الرؤية بشكل واضح

اليوم وبعد هذه السنوات من قراءة تلك الراوية أتذكر بعض تفاصيلها، وأقر كليما على ما فعل، بعد سنوات من العمل في الصحافة، وإن كانت بالفعل سنوات ضئيلة مقارنة بخبرة غيري من الصحفيين، تراني أميل إلى رغبات مشابهة لبطل حب وقمامة، فأحسد بائع الفول على مهنته، وأراقب ملياً بائع البالونات للأطفال في شوارع هذه المدينة، وبالتأكيد تعجبني مهنته على بساطتها، والغريب أنني لا أكف عن السؤال: لماذا قررت الدخول في هذا الميدان، ولماذا بذلت الجهد لأكون صحفياً مع أن دراستي الجامعية كانت بعيدة عن هذا الميدان وكان بالإمكان الولوج إلى عالم مهنة أخرى؟
 

أتذكر و أنا أكتب هذه السطور نظرة الناس السوريين البسطاء عندما كنت أقابلهم بالإضافة لقيادات ميدانية وعناصر جيش حر سابقين وحاليين، أو عمال سوريين لاجئين في تركيا، أو حتى ضباط منشقين.. نظرة هؤلاء جميعاً تنطوي على نوع مخفف ومعدل من التمجيد لشخص الصحفي، ولطالما أحرج من سؤالهم وأتعجب: لماذا يعطوننا هذه الأهمية؟ وأردد في نفسي أن مهنتنا تقوم على مآسيهم وأخبارهم السيئة بالمعظم، والأنباء السيئة التي ننقلها إليهم عن الآخرين، أننا صحفيون جراء مصائبهم.
 

أما السبب الثاني لتحرجي من سؤالهم، هو أنني لا أعرف ماذا يحدث، غالباً ما أرد بابتسامة صفراء أو أغير الموضوع: لست أستاذا.

يصعب علي شرح موقفي أو تبرير عدم معرفتي بما يحدث وبما يمكن أن يكون، رغم انغماسي بالأخبار اليومية وغير اليومية بشكل كلي، فمن جهة فإن أي صحفي هو إنسان أولاً وأخيراً، وكل الأخبار التي ينقلها وينمقها ويفحصها إملائياً ولغوياً تضج بالمآسي بالآلام والأوجاع، وعلى قدر تنميقها وترتيب حروفها تبدو أحداثها نافرة وفوضوية ومنفلتة من كل عقال أخلاقي، وعلى مقدار انغماسنا في هذه الأحداث نصبح -نحن العاملين في ميدان الصحافة والأخبار- غير قادرين على الرؤية بشكل واضح.
 

أتوقع أن كثيرين ممن أعرفهم في صفوف الإعلاميين سوف يبحثون عن عمل آخر عند وصول الغاية التي يطلبونها وهي انتصار الثورة وتحقيق مطالبهم

ومن الطرف الآخر يبدو أن عكس هذا السبب هو سبب بحد عينه يفسر جهل الأحداث التي تجري والتي أشارك بنقل جزء جيد منها، العكس هو الحياد الذي نتطبع به يومياً، جراء رغبتنا بأن نكون مقبولين من الجميع، وهي الرغبة التي تفرضها أغلب وسائل الإعلام بدرجات متفاوتة.
 

إبان الأيام الأولى لتطبيق وقف إطلاق الذي أقر في الشمال السوري والتزم فيه النظام السوري لفترة وجيزة، لاحظنا أن معظم وسائل الإعلامية الثورية لم تعد تجد خبر تنشره، قال لي أحد أصدقائي الصحفيين وقتها: لقد أصبحنا نعيش على دماء الآخرين، كما كنا ندعو بعض وسائل الإعلام في بداية الثورة، رغم أن تطبيق الهدنة انقضى سريعاً، وعادت جميع وسائل الإعلام لتغطية المجازر ومشاهد القتل اليومي في سوريا، إلا أننا لا نستطيع الامتناع عن التفكير في مصير الجيش الإعلامي الذي تشكل مع الثورة إذا وجدنا أنفسنا أمام تسوية مفاجئة وسريعة في سورية.
 

أتوقع أن كثيرين ممن أعرفهم في صفوف الإعلاميين المحسوبين على الثورة سوف يبحثون عن عمل آخر ، عن مهنة أخرى، عند وصول الغاية التي يطلبونها وهي انتصار الثورة وتحقيق مطالبهم، وربما نجد أشخاص يشبهون بالفعل بطل "حب وقمامة" و يروون أن مهنة جمع القمامة أجمل و أكثر إمتاعاً من الصحافة.