النعمان يُربّي كسرى

blogs - history

يا من استمد الكون وجوده من وجودك فما كان هذا الوجود قط قبلك
لا تطرد "نظامي" يا إلهى من أمام بابك إلى باب سواك فإنه قد استجار بك
* * *

في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي ولد شاعر فارسي في مدينة اسمها گنجة. كانت المدينة التي اشتق اسمها من الكنز قد بنيت على زمن المتوكل، أي قبل ثلاثة قرون فقط من ولادة نظامي گنجوي أحد أهم شعراء المثنوية الفارسية. ولأن ميلاد المدينة كان إثر حكاية، فقد وُلدت فيها الكثير من الحكايات بعد ذلك.

عُرف ملك فارس يزدجرد الأول بالأثيم لفساده، فلما ولد له بهرام تحايل عليه بعض حاشيته كي يربيه خارج القصر -خشية أن يصبح فاسدا كوالده- فأرسله للمنذر ابن النعمان لينشأ عنده، ولما شب بهرام وعاد لأبيه لم يرق لبهرام سلوكه فعاد للمنذر حتى مات
أما حكاية المدينة، فقد رأى والي أذربيجان محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني رؤيا فسرت له أن تلالا ثلاث تحت واحدة منها كنز مخبوء، فسأل عنها حتى عرف مكان التلال ثم أرسل للمتوكل فأمره إن وجد الكنز أن يبني به مدينة ويحسن عمارتها، فلما وجد الأمير الكنز بنى به گنجة.
 

احتل الروس المدينة خلال الحرب الروسية الفارسية في القرن الثامن عشر، ثم أصبحت ضمن حدود أذربيجان بعد إعلان استقلالها الأول عقب الثورة البلشفية.

أما حكاياتها التي ولدت فيها، فأشهرها كنوز نظامي الخمسة "پنج گنج، وهي خمس منظومات مثنوية طويلة، نظمها الشاعر خلال سنوات عمره الستين، تبدأ بمنظومة صوفية عرفانية سماها مخزن الأسرار، ثم حكاية خسرو وشيرين، ثم ليلى والمجنون والرابعة التي نحن بصددها اليوم هفت پيكر، "الصور السبع". "العرائس السبع"، والخامسة كتاب الاسكندر رالمقدوني، ولعلنا نعود للأربعة الباقية تباعا.

من أين تبدأ الحكاية؟
عُرف يزدجرد الأول بالأثيم، أو كسرى المغتصب لفساد سيرته بين الرعية، وانصرافه للهوه وهواه، فلما ولد له ولده بهرام في عام ملكه السابع، رأى ذوو الرأي من حاشيته أنه إن نشأ في حجر والده فلن يكون إلا مثله فاسد الطبع مشغولا باللهو عن الرعية ظالما لهم بضرائب ومكوس وخراج، فاقترحوا عليه أن يرسله في أي من الممالك التي تدين له بالولاء لينشأ هناك، وساقوا حججا مفادها أن النشأة خارج القصور أليق بملك تنتظره صعاب الملك والدولة، وحدث أن اقتنع كسرى بذلك، وأرسل إلى المماليك يبحث فيها عن محضن لولده.

تصادف أن زار المنذر ابن النعمان ملك الحيرة بلاد فارس، واقترح عليه أن يرسل بهرام إلى دياره فيربيه كما يربي النعمان ولده، وكان المناذرة رغم استقلالهم حلفاء تاريخيين للساسانيين، ساعدهم على ذلك مذهبهم "النسطوري" الذي يعاديه البيزنطيون الأرثوذوكس أعداء الفرس التاريخيين.

عاد المنذر بالملك الصغير إلى الحيرة، وشرع في تربيته، فتعلم الفروسية والرماية وبرع في المصارعة وفي الشعر وروي عنه الشعر بالعربية والفارسية.

لما شب الفتى بهرام عاد إلى بلاده، ولم يرق له سلوك والده، فعاد إلى المنذر مجددا حتى مات والده.

لما مات كسرى، أبى الفرس أن يولوا أمرهم أحدا من سلالة يزدجرد لفساده السالف، فوكلوا التاج إلى رجل من فرع آخر، فقال بهرام للمنذر: لو دام أمر الفرس على ما هم عليه لما سلم منهم العرب، فأعينوني بقوة أُعيد بها عرش أبي، وسار بهرام بمساعدة المنذر الذي أمده بالرجال، ودارت بينه وبين الملك الجديد مراسلات، وانتهى السفراء إلى أن العروش إنما تنتزع انتزاعا ولا تهدى، وأن تاج الساسانين لابد أن يأخذه من يقدر عليه، ولذا فإنه يوضع بين أسدين ضاريين، ومن استطاع انتزاعه فله الملك.

قبل بهرام ذلك، وجاء اليوم ورتبت المبارزة، وطلب بهرام من غريمه أن يبدأ هو، فكان جوابه: أنا على عرشي والتاج على رأسي، وإنما جئت أنت تطلبه فتقدم خذه.

صارع بهرام الأسدين، وصرعهما، وكان له التاج، فوُضع على رأسه.

لا تنتهي الحكاية هنا، بل تبدأ، وإنما أوردت هذه الجزء منها لنقترب من زمانها ومكانها، وأهم من ذلك لنقترب من شاعرها، نظامي الكنزوي.

أهم مصادر حكاية بهرام المكتوبة هي الشاهنامة، والتي دونها الفردوسي في القرن الخامس الهجري وجمعها شفاهة من الحكايات الشعبية، ما جعلها تمتلئ في تفاصيلها بالأساطير، شأن كل حكاية شعبية، وشأن كل ملك أحبه الناس فأغدقوا في مدحه وجمعوا له المحامد من كل بستان إلى سيرته، أو كرهوه فأغرقوا في جمع النقائص من كل سيرة إلى سيرته. ولقد كان بهرام محبوبا، فدامت سنوات حكمه العشرين على الحقيقة ستين في الأسطورة.

نعود لنظامي
كان الزمان زمان حرب، والسير سير قتال، وتاريخ الفرس وشعرهم ثقيل بالمعارك، وأنى للشعر أن يثقل بالمعارك فلا يلين!

عاد نظامي إلى حياة الملك المحبوب العادل، يبحث عن نقطة ملونة تجمع الحكاية، فيُخفي صليلَ السيوف خريرُ الماء، ويمحو مروقَ السهام صوت الغناء، وتلين يد الفارس في يد الجارية، ويزهر الغصن الجاف في حضرة الربيع.
 

من وصايا المنذر لبهرام أن المرأة سكن الرجل ملكا كان أو مملوكا، وأنها وحدها من تلجم شبابه بشكيمة العقل، وتصون الملوك عن الجهل

حدث "عند نظامي" أن المنذر حين ربّى بهرام، أسكنه قصرا تزينت جدران قاعاته برسوم تصور نساءً من أقاليم الأرض السبعة، فكبر بهرام على حلم أن تجمعه الحياة بهن، وكان من وصايا المنذر له أن المرأة سكن الرجل ملكا كان أو مملوكا، وأنها وحدها من تلجم شبابه بشكيمة العقل، وتصون الملوك عن الجهل.

وحين تولى بهرام العرش، خايلته أحلام قصر المناذرة، فجال في البلاد حتى أنس بسبع زوجات من أقاليم الأرض السبعة، وكانت هذه الأقاليم هي الهند والصين وخوارزم وروسيةا وبيزنطة وفارس والمغرب، وبنى لكل منهن قصرا له لون، فكانت الألوان هي الأسود والأصفر والأخضر والأحمر والأزرق ولون خشب الصندل والأبيض، ثم هن يحكين للملك كل واحدة حكاية بلون قصرها. فهن سبع نساء وسبع قصور وسبع حكايات، سميت بهن القصيدة، "الصُوَر السبع" أو العرائس السبع أو القباب السبع.

حكايات الملوك
في مقدمة الحكاية، كعادة التدوين آنذاك، يبدأ الشاعر بحمد الله والتماس المدد منه، ثم يمدح رسوله مركز دائرة الخلق، ثم يعرفنا أنه يكتب هذه الحكايات للأمير السلجوقي سليمان الذي طلب بناء على طلبه، وهنا يلتمس الفرصة ليبين دور الشاعر الحكيم ومكانته التي ينبغي أن يكون عليها عند الملوك، فإن كان أرسطوطاليس عند الاسكندر فتعلم منه العلوم النفيسة، وكان عند أنوشروان حكيم مثل بزرك مهر وكان لأبرويز عازف مثل باربد وعند جده ملك شاه الخواجةَ نظامَ الملك الطوسي، فأنت يا سيدي متوّج بتاج أفضل "منهم" فعندك شاعر مثل نظامي. فانظر أين وضع نظامي نفسه.

ثم يختم مقدمته للأمير بقوله: فلو أنك تصغ كالزهرة إلى جديد ألحاني فإنك تجعلها ذائعة الصيت كالهلال الوليد، ولو أنك استصغرت صورتها فكم حملت الرياح من قبيل هذه الورود.. ستفوح الورود في قصر غير القصر، ويحرم عطرها الأمير.

نكمل تباعا