المنطق الفاسد لتغذية التطرف والعنف.. مصر نموذجا

blogs - rabaa
من المهم حاليا مع تصاعد موجات النزوع نحو العنف في العالم العربي واعتباره حلاً وحيدا أو رئيسيا خلال الثلاثة أعوام الماضية، أن نبحث عما يغذي هذه النزعة ويساهم في تأجيجها.
 
برأيي أن التعايش والقبول والتأييد للقتل والاعتقالات والتنكيل من قبل أطراف واسعة في أي مجتمع، هو السبب الرئيسي لتغذية هذه النزعة لاسيما إذا كان تحت دعوى الاستقرار.

الظلم والعدوان والبطش لا ينال من روح الميت فقط، بل أيضا من روح الأحياء، ويجعلهم أحياء وأموات في آن واحد، وبالتالي تتسع لديهم الرغبة في الانتقام

وإذا أخذنا المجتمع المصري كمثال حي لذلك، فستجد أن ثمة إشكالية رئيسية لدى هؤلاء المرحبين بالظلم والمتعايشين معه تقوم على فكرة مفادها "أن الشعب المصري ذو تعداد وكثافة سكانية كبيرة وأن الدولة لن تخسر كثير أو تتأثر بحجم من يموت أو يرحل عنها، وأن الدولة باقية ومتجذرة بشكل يصعب خلخلته".

لكن منطق فاسد كهذا يغفل جملة من الإشكالايات الرئيسية تجعل هذا المنطق منطلقا لتأسيس بيئة صلبة لنمو الإرهاب والعنف.

أولا: أنهم يغفلون أن تفكك الدول أو خلخلتها لا يأتي من من باب كثرة القتلى، لكن يأتي من باب نوع القتل وطريقته وأسبابه، فلو مات عشرات الآلاف من الضحايا نتيجة كارثة طبيعية أو بيئية طارئة، سينتهي المشهد عند ذلك، لأن رائحة الموت ستقف عند حدود الحدث.

لكن طريقة الموت أو القتل الناتجة عن ظلم وبأيدي من بيده السلطة أو لأسباب صراعية أو نتيجة بطش وتسلط طرف أقوى على طرف أضعف، ستخلف وراءها آلاف النفوس التي تقف على حدود الموت وتشم رائحته في كل خطوة وكل ذكرى تذكرها بمن رحل.

الظلم والعدوان والبطش لا ينال من روح الميت فقط، بل أيضا من روح الأحياء، ويجعلهم أحياء أموات في آن واحد، وبالتالي تتسع الرغبة في الانتقام أو الرغبة في التشفي والشماتة، والنفوس ليست على درجات واحدة في ضبط إنفعالاتها أو صبرها على مصابها أو كارثتها وتتنوع أيضا بدرجة القرب والارتباط مع المفقود.

 
وإذا اتسعت الدائرة بات رد الفعل غير متوقع، وباتت الكراهية والتربص هما الأصل في التعامل بين الشركاء في المجتمع/الفرقاء بعد ذلك، وبالتالي تتسع الدائرة رويدا رويدا لدرجة لا يعلم مداها إلا الله.

ثانيا: أنهم لا يفهمون أن التأسيس للظلم وشرعنته يؤصل لأن تكون غلبة القوة والبطش هي الأصل في الأشياء، وعندما يكون الظلم قائما على الموت أو القتل، ولا يوجد حساب عليه، سيكون أي ظلم تحته هين ومستساغ لدى من يملك القوة، فإن كنت قد قتلت وبطشت ولم ينالني أذى فلماذا ينالني فيما هو دون ذلك،
وبالتالي من يظن أنه سيكون آمن حال تبريره للظلم وشرعنته له، سيجد نفسه في هذا الموضع إذا ما تصادف حظه العثر بالدخول في أي إشكال مع من يملك القوة والبطش، وبالتالي تتسع الدائرة أكثر نحو الكراهية ونحو الرغبة في الانتقام.

العنف حين يصبح اجتماعيا يختفي السياسي وتختفي السياسة، ويصبح العنف ثقافة ومفهوما، والاستباحة وجهة نظر

ثالثا: أن الظلم الحادث في مصر ينال بشكل واضح، مصدر الطاقة الرئيسي في المجتمع وهم الشباب، والشباب في عنفوانه وعمره وعناده، ليس لديه الكثير ليخسره إن كان المستقبل أمامه مفككا ضائعا، فيتساوى عنه الموت والحياة لأنها ستكون حياة بطعم الموت، لذا فرد الفعل لن يزيد دائرة الانتقام والدم إلا اتساعا.

رابعا: أن دائرة العنف كلما اتسعت خارج نطاق التنظيمات المحكومة بقيادات أو المرتبطة بوحدة فكرية، كان ذلك أخطر، فحالة السيولة في الانتقام وحالة السيولة في الحركة، تجعل العودة للخلف في بعض الأحيان صعبة وباهظة التكلفة، العنف حين يصبح اجتماعيا يختفي السياسي وتختفي السياسة، ويصبح العنف ثقافة ومفهوما، والاستباحة وجهة نظر.

لعل من حسن الحظ أن هناك من يفرق بين حب الوطن وكره الدولة، ولولا هذه التفرقة لكان الانفجار قد حدث منذ فترات، لكن مع مرور الأيام وازدياد جرعة الظلم اليومية والبطش، ونوعه وسهولته، ومساسه بشرائح مختلفة ومتباينة، فإن الصدام سيكون قادم لا محالة، وسيكون التطرف والعنف في حالة مكسب دائم لشرائح جديدة تراه حلا.

إن من يتعامل باستهتار ولامبالاة مع هذه الإشكاليات ويقيس الأمور بالعدد، ويغفل تغير عامل الزمن ونوع الظلم واتساع رقعته، هو في الحقيقة من يفكك الدولة وينتزع الإنتماء إليها من نفوس مواطينها وشبابها.