الحب والورود والإعلام

blogs - camera

"أن تحب زوجتك فإن هذا خبر لا يهم أي شخص، ولكن لو قتلتها لدخل الأمر في باب الحوادث وأشارت لك الصحف أو حصلت على تغطية تتجاوز 27 ثانية في الأخبار التلفزيونية، أما لو قمت بتقطيعها فسيكون لك عمود كامل أو ثلاث دقائق تلفزيونية، وإذا أكلتها (كما فعل شخص ياباني منذ فترة) فإن هذا هو المجد الإعلامي".. هكذا تعمل كثير من وسائل الإعلام الغربي -بل والعربي أيضاً الآن- في عالم القرن الحادي والعشرين كما يذكر جارودي في كتابة كيف نصنع المستقبل.

هناك إعلام لم يعد يبحث عن توعية المتلقي أو المشاهد، ولكنه يتفنن في أن يقدم مادة تجذب اهتمام المشاهد أو القارئ وتسيطر على رغباته وعواطفه، وهو إعلام تحركه المادية البحتة لكي تتمكن وسائل الإعلام من بيع المساحات الإعلانية للحصول على أكبر عائد مادي، وليتمكن المعلن من بيع منتجاته للعقول المخدرة إعلامياً ودعائياً.

أصبحت متابعة وسائل الإعلام تحقق البلادة وغياب الوعي، بدلاً من أن تدفع في المشاهد أو القارئ الحماسة للتغيير

ولكي تصل بعض وسائل الإعلام الغربية هذه إلى أكبر شريحة ممكنة من البشر، فلابد أن تتنازل في المحتوى لتشبع المزيد والمزيد من الرغبات، ولذلك يقول أحد مخرجي البرامج التلفزيونية الفرنسية "كلما هبط مستوانا إلى أقصى حد، زاد معدل متابعة الجمهور. هذا هو الواقع، هل يجب علينا أن نتظاهر بالذكاء أمام المشاهدين؟ إنهم لا يميلون للتفكير، فلنكف عن القيام بدور من يعطيهم دروساً".

إن المشكلة الإعلامية التي نعاني منها ليست في نقص الوسائل كما يتصور البعض، ولكنها تكمن في غياب الغايات، إن الإعلام اليوم -في الكثير منه- لا يشوه التاريخ فقط، وإنما هو يصنع الحاضر ويعيد صياغة الماضي، ويفسد أحلام المستقبل.

أليس من الغريب أن العالم كله أصبح يحلم بنفس الطريقة ويتمنى نفس الآمال؟ أليس ذلك بسبب هيمنة ذلك النمط من الإعلام الغربي تحديدا؟ الطفل في قرية من قرى اليمن يحلم بالسيارة الأمريكية، والعجوز في أقصى بقاع الصين يجمع قوت يومه لينفقه في "دش" ينقل إليه الكثير من نماذج انحطاط البشرية الذي أصبح يسمى اليوم طموحات التحرر من قيود التقاليد، ولا يعني هذا أن التلفاز ضار بالمجمل، ولكنه أيضا ليس نافعا بالمجمل، ويجب الحذر مما يفعله بعقولنا وأنماط حياتنا.

الكل يلبس طاقية البيسبول الأمريكية بالمعكوس .. رغم أن رياضة البيسبول غير موجودة ابتداء في كل دولنا، رأيت ذلك في قرى الجزيرة.. شباب يلبسون الثياب العربية، ولكنهم استبدلوا غطاء الرأس بطاقية بيسبول كتبت عليها أسماء فرق أمريكية لا يعرفونها ولا يعرفون حتى كيف تمارس هذه الرياضة، ولكنهم بالتأكيد يعرفون كيف تلبس الطاقية، إنه مرة أخرى الإعلام الذي تدخل حتى في أحلامنا ليعيد صياغتها لتتمشى مع أفكار القطب الواحد وعالم العولمة والهيمنة الغربية.

الغالبية العظمى من أبناء أمتنا لم تشهد في حياتها  كلها جريمة قتل أو إعتداء حقيقية، ولكن كلنا نعرف اليوم كيف يقتل الإنسان برصاصات أبطال الأفلام الغربية. تعودت أعيننا على مشاهد القتل وصور الجريمة حتى لم يعد يتحرك لنا ساكناً لمشاهد القتل الحقيقية التي تحدث كل يوم في كل أنحاء عالمنا من سوريا واليمن ومصر وليبيا إلى أفغانستان والعراق وفلسطين وغيرها من بقاع عالمنا العربي والإسلامي. لقد تعودت عيوننا على صور الجرائم، واختلطت في عقولنا حقائق معاناة أطفال سوريا أو أطفال الحجارة مع مغامرات الممثل الأمريكي "بروس ويليز" أو رصاصات "سيلفستر ستالون".

لا تستغربوا من حديثي واسألوا الأجيال الشابة من أمتنا عن قدواتها لتعلموا أننا على وشك أن نفقد مستقبل الأمة الذي يعاد صياغة أجياله القادمة لتتأقلم مع متطلبات الإعلام الغربي. لقد تحول الإعلام من وسيلة تثقيف وتسلية إلى طريق لنسيان الواقع وفقدان المعنى. لقد أصبحت متابعة وسائل الإعلام تحقق البلادة وغياب الوعي، بدلاً من أن تدفع في المشاهد أو القارئ الحماسة للتغيير.

وأصبح الإعلام كذلك قضية إقتصادية هامة، فواشنطن وهوليوود يريان أن الإعلام هو أحد أقسام التجارة، ولذلك تعلن الولايات المتحدة في وثيقة " الاستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة في مجال المنتجات المسموعة والمرئية" – والتي صدرت في بداية هذا القرن – ضرورة عدم وضع أية قيود حكومية أو ثقافية على انتقال الإعلام الأمريكي إلى الشعوب المختلفة.

الغرب كائن مريض في الكثير من جوانب حياته، وخصوصا إعلامياً وأخلاقيا، وللأسف فقد أصبح المفهوم الصحيح للإعلام في مجتمعاتنا هو "تقليد المرضى"، ولذلك فإن أمريكا تسعى إعلاميا إلى فرض نموذج عالمي مؤداه أن هناك مسار واحد فقط لتطور البشرية، وهو المسار الغربي، والإعلام هو القانون الأعظم الذي سيحدد للشعوب كيف تنطلق على هذا المسار الوحيد للتقدم والتحضر. ومن يجرؤ على اختيار مسار مخالف أو إعلام بديل فلن يكون إلا متخلفا تجب محاربته للسمو بالجنس الإنساني عن الوقوع في خطيئة العودة إلى الأديان أو التقاليد المحلية ولفظ النموذج الغربي في الإعلام وفي الحياة.

سيطرت علينا صورة نمطية غربية توجد سوقاً استهلاكية لم نعرفها من قبل في عالمنا العربي، ولكنها فرضت علينا اليوم فرضاً بالإعلام الذي قدم لنا عيداً للحب وسوقاً رائجة للورود ولتفاهة العقول التي يجري عرضها اليوم للبيع في مزاد الهيمنة الإعلامية

إن الدعاية والإعلان اليوم يصنعان إحتياجات مصطنعة ووهمية لدى أبناء الشعوب. ولكي تبيع الشركات الأمريكية أكثر فلابد أن يعيد الإعلام الغربي صياغة الأفكار والعقول وحتى الأحلام لكي تكون غربية تماماً.

أتذكرإعجابي ببرنامج للأطفال شاهدته منذ أعوام في أحد القنوات العربية، وفيه تحاول مقدمة البرنامج أن تناقش مع الأطفال ماذا يهدون لمريض في المستشفى، والأطفال يقترحون الطعام والهدايا وبطاقات الدعاء بالشفاء، ولكن مقدمة البرنامج تصر أن تقديم الزهور هو الخيار الصحيح، ولكن الأطفال في معظمهم لم ترق لهم الفكرة، فمنهم من قال لها وما فائدة الزهور، وأخرى تقول لها إن الزهور تذبل سريعاً، وثالث يقول إن الزهور ليست من هدايا الرجال! وبصرف النظر عن صحة التعبيرات أو خطأها، فإنها تعكس تنوع الفكر والرغبات، وهو الأمر الطبيعي في المجتمعات. مقدمة البرنامج تريد نمطاً واحدا، وتصر أنه الوحيد الصحيح، وهو إهداء الورود!

أضحكتني براءة أطفالنا وفطرتهم التي لا تسعى إلى التقليد من أجل التقليد، وحزنت لحال المرأة التي كانت تقدم البرنامج، فقد سيطرت عليها صورة نمطية غربية توجد سوقاً استهلاكية لم نعرفها من قبل في عالمنا العربي مثلا، ولكنها فرضت علينا اليوم فرضاً بالإعلام الذي قدم لنا عيداً للحب وسوقاً رائجة للورود ولتفاهة العقول التي يجري عرضها اليوم للبيع في مزاد الهيمنة الإعلامية.

إن مقدمة البرنامج التلفزيوني ليست بالطبع عميلة للغرب، ولكنها ضحية من ضحايا معركة الإعلام، ومثلها كثير في أجيال الغربة عن الوطن وعن الدين وعن القيم والمبادئ التي تسعى الكثير من وسائل الإعلام الغربية لدفنها مع الضمائر الحية في أسرع وقت ممكن، فهل نتركهم يفعلون؟