الأولمبياد.. إنجازات للتاريخ ودروس للحياة

blog أولمبياد 1

ينتظر الملايين عبر العالم الحدث الرياضي الدولي "الألعاب الأولمبية " كل أربع سنوات حيث تشارك أزيد من 200 دولة برياضات مختلفة ومتنوعة. قد يكون الأولمبياد مجرد حدث رياضي ولكنه لا يخلو في كل مرة من بعض الدروس التي يقدمها الرياضيون للعالم، بعضها إيجابي وبعضها سلبي، ولعل أهم ما لفتنا في أولمبياد ريو هو ما قدمه ثلاثة رياضيين من جنسيات مختلفة وهم: السورية يسرى مارديني، الأمريكي مايكل فالبس، المصري إسلام الشهابي.
 

يسرى هي من بين التجارب التي يجب أن تصدر وتعمم ونتحدث عنها بقدر ما نتحدث عن الموت والدمار الذي خلفته الحروب

للتحدي عنوان.. السورية يسرى مارديني
هي الشابة السورية التي أنقذت بشجاعتها 20 لاجئا كانوا على وشك الغرق في بحر إيجة. شاركت يسرى في الأولمبياد واحتلت المركز الأول في الدور التمهيدي الأول لمنافسات 100 متر فراشة، قد لا يهمنا الأداء الرياضي ليسرى في الأولمبياد بقدر ما تلهمنا قصتها في الإصرار والتحدي، فهي التي صنعت من الموت حياة جديدة، لم تيأس ولم تستسلم للأمر الواقع بل حولت الألم إلى أمل والفشل إلى نجاح.

 

يسرى هي من بين التجارب التي يجب أن تصدر وتعمم ونتحدث عنها بقدر ما نتحدث عن الموت والدمار الذي خلفته الحروب، فالإعلام ساهم بقدر كبير في انتاج صورة الموت والفشل واللأمل حتى تحولت هذه الاستثناءات الى قاعدة وقناعة في وعي الشعوب المضطهدة لا جدوى من تغييرها،يسرى هي الوجه المشرق الآخر لقضية "الحرب واللجوء".

 

يسرى هي الطاقة الإيجابية في مجتمعات ميتة، يوجد من يسرى المئات والآلاف لم ينالوا بعد القسط الوافر من اهتمامنا وانتباهنا لأن صور الموت والألم تتصدر المشهد وتتسابق القنوات في عرضها بينما لا يلتفت الا القليل منا لمثل هذه التجارب المنيرة التي استطاعت كسر اليأس والنهوض من وسط الركام، نتمنى حقا أن توظف القنوات امكانياتها ومحلليها وخبرائها للحديث عن هذه الظواهر الإيجابية وأن تأخذ المساحة الكافية من اهتمامنا مثلما تُكرس إمكانيات ضخمة لإنتاج أفلام تحكي قصص مجرمين ومتطرفين.

على الرغم من أن مايكل فالبس صنع الحدث بنجاحه وتألقه إلا أنه أراد أن يصنع الحدث أيضا بقرار انسحابه وعدم مشاركته في الأولمبياد القادم

الأمريكي مايكل فالبس والخروج من الباب الواسع
"أعتقد أنه لا يوجد مستحيل، فقط يحتاج الإنسان إلى خيال واسع وإرادة من حديد".. هكذا أجاب مايكل فالبس عن سر نجاحه وتألقه المستمر، نجاح فالبس هو نتيجة لعمل دؤوب وإمكانيات كبيرة متوفرة أمامه، وبالرغم من أنه صنع الحدث بنجاحه وتألقه إلا أنه أراد أن يصنع الحدث أيضا بقرار انسحابه وعدم مشاركته في الأولمبياد القادم قد يكون هذا القرار غريبا ويدفعنا للتساؤل ما الذي يجعل "بطلا فوق العادة" ينسحب بهذه البساطة والسهولة ولماذا في هذا التوقيت بالضبط؟ ربما الإجابة نجدها في مخزون القيم لدى هذه المجتمعات من أعلى الهرم إلى أسفله.. التصالح مع الذات والرغبة في الانتصار للماضي والحاضر والمستقبل هو الإدراك الجيد لقوانين الحياة مثلما هناك نجاح هناك فشل.

 

مايكل فالبس اختار أن يكون مصيره بيده وحده وأصر على دخول التاريخ من أوسع أبوابه بإرادته، كان على قناعة أن الدخول القوي يناسبه خروج أقوى، ما قام به مايكل فالبس هو درس للسياسيين وتفسير للمعادلة الصعبة التي لم يستطع الكثير منهم استيعابها التنازل ليس هزيمة والتراجع ليس فشل، ربما الهزيمة تحملها معك في أول خطوة عندما تقرر أن تكون محور كل شيء أن لا ترى الا نفسك وتتجاهل من حولك، عندما تثور على سنن الكون ولا تعترف بها عندما تكون ضحية نفسك ولا تجد ما يكبح أنانيتك وتطلعك للمستحيل.. الانسحاب فوز عندما تكون قد قدمت أفضل ما لديك ولا يمكنك أن تقدم الأكثر والأفضل. ماذا لو فهم السياسيين هذا المبدأ؟

عندما تقبل بمواجهة رياضية عليك أن تضعها في إطارها الرياضي وليس السياسي، أن تعتبرها كذلك بدون تسييس، أن تلتزم بقواعدها حتى النهاية

المصري إسلام الشهابي وأنصاف الحلول.. هزيمة رياضية وسياسية
يقول جبران خليل جبران "لا تعش نصف حياة، ولا تمت نصف موت، لا تختر نصف حل، ولا تقف في منتصف الحقيقة".

أثار لاعب الجيدو المصري إسلام الشهابي الكثير من الجدل عند قبوله المواجهة مع اللاعب الإسرائيلي ورفضه مصافحته عقب انتهاء اللقاء. تفسيرات كثيرة وتبريرات أكثر، ربما لا يختلف اتخاذ القرار الرياضي عن اتخاذ القرار السياسي كثيرا، ففي السياسة اتخاذ القرار يكون بأقل كلفة مادية ومعنوية، ربما هذا ما أغفله اللاعب المصري في وضع احتمالات و تقييم تداعيات وانعكاسات أي قرار سيتخذه ليس عليه فقط بل على قضية بأكملها أمام إعلام عالمي ينتظر مثل هذه التصرفات لتوظيفها سلبيا.

 

لسنا هنا لنحاسب اللاعب ولا أن نضع أنفسنا مكانه لأننا لا نعلم حجم الضغوط التي واجهها ولا لنحاسبه على نواياه فالله وحده يعلمها، ولكن للاستفادة والتعلم من موقف قد يتكرر مستقبلا عندما تقبل بمواجهة رياضية عليك أن تضعها في إطارها الرياضي وليس السياسي، أن تعتبرها كذلك بدون تسييس، أن تلتزم بقواعدها حتى النهاية، لأنك اعترفت وقبلت بالخصم من البداية. فالالتزام اعتراف وإذا كان الالتزام سينقص من قيمتك أمام الناس فالاعتراف سينتقص من قيمك تجاه قضية.

يبقى الأولمبياد وجها مميزا لقيم التعايش والتعارف بين الشعوب في إطار رياضي.