أن ترحل فترحل

blog-الأسى

نواجه في حياتنا الكثير من الخسارات التي تغيّر شيئاً فينا إلى الأبد، ومن أصعب هذه الخسارات لحظة تضيق بك الأماكن فتضطر أنت أسفاً بعد صراع طويل أن تغادرها، الوطن الذي كانت كل بقاعه لك ، البيت الذي كنت الملك فيه،  العمل الذي ضاق عليك فاضطررت إلى مغادرته أو القلب الذي كان بيتك وما عاد لك .

أولى مراحل تجاوز الحزن تكون بالإعراض عنه، بادعاء القوة، بالتظاهر أن لا شيء يحدث، بالركض بعيداً عن كل الصراعات التي تصرخ في داخلك وأنت لا تريد أن تراها

إكرام بعض الأشخاص فقدان الأمل بهم،  إكرام بعض الأماكن أن لا تغرق في تفاصليها من جديد ، ألا يجثو عليك الوهم،  ألا تغلبك الرغبة،  ألا يتسع فيك اليقين أكثر من اللازم لأن كل الآخر جحيم إذا أردنا صحبته أكثر مما أردنا صحبة أنفسنا،  كل الأماكن باهتة إذا أفرطنا التردد عليها ، كل القلوب تضيق بأصحابها فكيف بالآخرين ؟ .

ثمة نقطة فاصلة بين الامل الحقيقي والامل من شدة اليأس ولأننا كبشر نميل للأشياء الآمنة،  للصراعات التي سبق وعشناها، للخسارات التي ألفناها، للحزن الذي عرش فوق صدورنا،  نحن نشعربالثقة إتجاه ما خضناه وحُسِم بالفعل فلا مانع عندنا أن نمسه من جديد لأننا سبق وطلنا سقف ألمه،  لأجل هذا تحديداً علينا أن نعرف متى نفقد الأمل، متى نعيد رسم الخارطة ومتى نوصد الأبواب.

الحزن نوعان: حزن صحيّ ذاك الذي لخصه أجدادنا في مقولة "الضربة اللي ما بتكسر ظهرك بتقويه" الذي يجعلنا أكثر قوة في الوقوف في وجه اللاحق، وحزن كالسجن نعتاش عليه ونقلق لو خفت في لحظة فرح، نرعاه كما ترعى الأم أولادها، هو أشبه بدوران الفأر في حلقة الركض في المختبر يتطلب جهدا كبيرا جداً وأحياناً فوق طاقة الفأر المسكين دون أن يتغير مكانه لخطوة واحدة.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: كيف نرحل؟
في اللغة "السلو: طيب النفس عند فراق الشيء والذهول عن ذكره"، وبذلك تكون أولى مراحل تجاوز الحزن بالإعراض عنه، بادعاء القوة، بالتظاهر أن لا شيء يحدث، بالركض بعيداً عن كل الصراعات التي تصرخ في داخلك وأنت لا تريد أن تراها.

من أعظم النعم التي قد يحظى بها الإنسان أن يُحسن صحبة نفسه، أن يكون الملجأ لنفسه

ثم تذكره وتراه وتتحسس المكان الفارغ في داخلك ثم تبدأ بالانغمار به وبعدها يصير ممكناً أن تشير إليه،  يصير سهلاً أن تسرده كاملاً دون أن يثقل صدرك،  ثم تقفزعن أثره وتذكره للآخرين كقصة مضحكة.

"نحن ضحايا أنفسنا الأخرون مجرد حجة "
الذي يستحق اللوم على وحدتنا ليس من رحلوا بل نحن الذين لم نحسن صحبة أنفسنا،  لم نتعرف عليها بالسير وحيدين، من منا جرب أن يدعو نفسه للغداء، نعم ما المضحك ؟، أن يغلق هاتفه ويجلس مع نفسه لبعض الوقت ويتحدث معها،  أن يذهب في نزهة،  أن يقصد معرضاً معها،  إن أعظم النعم التي قد يحظى بها الانسان أن يُحسن صحبة نفسه، أن يكون الملجأ لنفسه .

أنت دواء خسارتك، أنت ألفة وحدتك، أنت الوحيد القادرعلى رتق جرحك يلزمك فقط أن تؤمن بذلك .