شعار قسم مدونات

فنجان قهوة.. عندما أحرقنا خديجة!

blogs - ahlam
 
منذ أيام كان هناك خبر عن فتاة مغربية اسمها خديجة، تعرضت خديجة لحادثة خطف واعتداء جماعي لمدة يومين، تعاقب عليها 11 شيطانا بشريا.

ذهبت خديجة إلى المحكمة وطالبت بالتحفظ على هواتف الرجال لاحتوائها مشاهد تثبت جريمتهم، لم تنصت المحكمة، أُطلق سراح الشياطين. بعد فترة وجيزة لاحقوها إلى حيث نقلت معيشتها وهددوها بالفضيحة إن هي لم تستجب لهم، نزلت خديجة مع أصدقائها وفي يدها زجاجة حسبوها ماءً سكبتها على جسدها وأشعلت النار فماتت.

حاصروها في جسدها فاختارت أن تحرقه لهم، تنتزع منهم تلك الوسيلة التي استعبدوها بها، جسد مشوه لا يرغب فيه أحد.. في الحقيقة لم تحرق خديجة نفسها ولكنهم أحرقوها.. ولكننا أحرقناها بالخذلان

لعل خديجة ظنت أن هذا هو المخرج الوحيد من السجن الذي وضعوها فيه، حاصروها في جسدها فاختارت أن تحرقه لهم، تنتزع منهم تلك الوسيلة التي استعبدوها بها، أو لعلها أحست بأنها الطريقة الوحيدة التي ستدفعهم عنها، جسد مشوه لا يرغب فيه أحد.. في الحقيقة لم تحرق خديجة نفسها ولكنهم أحرقوها.. ولكننا أحرقناها بالخذلان.

منذ أيام أيضاً انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي مقولة كتبها أحد "مستشاري العلاقات" ينصح فيها النساء ببضع عبارات بلهاء خالية من أي حكمة وموعظة، يرشدهن فيها إلى الطريقة التي يصبحن بها قوالب من الشمع ونساء آليات وعرائس باربي في آن واحد.

حديث الرجل لا يعدو كونه مجموعة من الديباجات المهترئة التي نخرجها كل حين من بردعة حمارنا الأعرج. كلام عن كيف تتمكن المرأة من تعليق زوجها بها وعدم منحه سبباً للنظر إلى نساء أخريات، كيف أن عليها أن تنجب الأطفال دون أن تتعب وتترهل، وأن تكون ذات قوام ممشوق لكن دون أن تحس بالتعب والإرهاق والضعف.

عليها أن تبتسم وتتهادى أمامه طوال الوقت وأن تربي أبناء صالحين مهندمين دون الحاجة "للتنكيد" على الرجل الذي يعمل طوال النهار وكأنها تجلس على كرسي وثير تتأمل روعة السماء وتشتم الزهور.

كل ملاحظات "المستشار" لا تتعدى الإشارات المادية التي تتمحور حول جسد المرأة وقدرتها على إرضاء الرجل، لا حديث عن تربية ولا حسن عشرة ولا توافق نفسي.

المرأة هنا مهمتها أن "تحافظ على زوجها". ولا أعرف كيف يرى الرجال في ذلك علامة على الفوز وحسن الحظ، هل هو طفل شارد حتى تُوكَل إلى زوجته مهمة الحفاظ عليه؟ ثم هل أصابت عقله لوثة فلا يستطيع أن يحفظ نفسه من مغريات الحياة حتى يطلب من المرأة أن "تعفّه" وتمنعه من اللجوء إلى أخريات؟

ما علاقة هذا الرجل بقصة خديجة؟ ستسألونني كما في كل مرة.. (فأنا كالعادة أتقافز من موضوع لآخر)
لعل أكبر مصائبنا أننا لا ندرك كم أن أقدارنا متصلة، كم أن الكلمات التي نزرعها في أبنائنا جيلاً بعد جيل هي التي تشكل طبيعة الحياة التي سيعيشونها، ذلك الرجل الذي يحدثوننا عنه وعن "حقه" في تحقق رجولته ليل نهار، الذي إن أخطأ قيل لا بأس، شباب والشباب طائش، ثم إن أخطأت هي قيل أهدرت شرفها وأصبحت مستباحة. الذي إن أخطأ قيل لا بد أنه زوجته مقصرة، والتي إن أخطأت قيل عديمة الحياء ساقطة. وأمام الله خطأهما واحد، وعقابهما واحد، لا عذر.

لا أعرف متى يتوقف خطابنا الثقافي والمجتمعي وحتى الديني عن تحميل المرأة كل نواقص الرجل وأخطائه فيما يتعلق بهذه القضية. ألم يحن الوقت لنتوقف عن هذا الإفساد؟! كيف لرجال أن يبنوا مستقبل أمة وهم غير قادرين على أن يشيحوا بوجوههم عن زميلة في العمل أو امرأة في الشارع؟

كيف لهم أن يقولوا لا لقوى الشر العالمية التي تحدثوننا عنها وأنتم ترونهم غير قادرين على مقاومة لوحات إعلانية ومجلات ترفيهية؟ كيف تريدون أن تُرَبوهم "صالحين" وأنتم تغرسون فيهم طوال الوقت أنهم كائنات غريزية، عليهم أن يثبتوا رجولتهم بفحولتهم، فأكثرهم مجداً أكثرهم نساءً؟

إلى متى سيبقى الرجل حبيس الثقافة الجنسية التي نتوارثها جيلاً بعد جيل؟ نقول النساء مغلوب على أمرهن تحولن إلى مواد تسويقية ولا نقول الرجال فقدوا إنسانيتهم وتحولوا إلى شهوة يحركها جسد!

أعرف بأن كثيراً منكم يظن بأنني أبالغ، فمازال لا يرى العلاقة بين هذه الهرتلات والأخبار التي تفجعنا كل يوم، فما الرابط بين حديثي هذا وبين أن يقدم رجل على الاعتداء على امرأة، ثم يقوم أخوها بقتلها انتقاماً لشرفه. ألا تبصرون كيف أن ذلك الذي أثبت رجولته بانتهاك حرمة فتاة وذلك الذي أثبت رجولته بقتلها، كلاهما نتاج خطاب واحد؟

علينا أن نقاوم البهيمية بشيء من الملائكية..  علينا أن نربي رجالاً ونساءً ينظرون إلى المرآة فيكون أول ما يرونه إنسانيتهم

لعل بعضنا يعتقد بتلاشي هذه الظواهر فقد تغير الزمن وتبدل الحال، ولكن الحقيقة أننا عميان لا نرى سوى من هم في دوائرنا المغلقة، ولا نعرف شيئاً عن ما يحدث خارجها. وحتى أولئك الذين يعيشون فيما يسمى الجزء المتحضر من المجتمع يجتاحهم الوباء دون أن يشعروا. نساؤنا ورجالنا أصبحوا عبيداً لأجساد يلمعونها ويلونونها وينفخونها ويشدونها ويضعون عليها كل أصناف الزينة كالطواويس.. غير أن الطووايس لا تعقل.

نعم أعرف أن الأمر ليس مقتصراً علينا في الشرق المنكوب، وأنهم في الشرق البعيد والغرب الأبعد أيضاً يعانون من مثل هذا، ولكن هل نتنافس في من هو أقلنا قباحة الآن؟

علي أن أعترف بأنني كتبت مدونة أخرى قبل هذه، اخترت عدم استخدامها كاملة واكتفيت بأجزاء منها، لنقل فقط أنها كانت شديدة اللهجة (لسبب ما تذكرت الآن الرسالة التي أرسلتها والدة رون ويزلي له بعد أن سرق سيارة والده المسحورة ليصل إلى هوجورتس!) .

ولكن الذي دفعني إلى كتابتها من جديد – بخلاف كوني قد هدأت قليلاً ولم يعد الدخان يتصاعد من أذنيّ – هو أنني أعرف بأن الهجوم ليس أفضل وسيلة للدفاع، وأن من سيستمع إليك عليه أن يرى فيك صديقاً، لا أحد يحب أن ينصت إلى آخرين وهم يحتقرونه. لن نستطيع أن نغير كل شيء الآن.. ولكن كن واثقاً بأنه يمكنك أن تغير حياة شخص واحد على الأقل في هذا العالم.. هو أنت.. فلنبحث عن حياة ذات قيمة لا أن نعيش كالبهائم أرجوكم.

أفكر في خديجة، في والدها الذي مات والعالم الذي تركها للوحوش تنهشها، والحياة التي عاشتها قصيرة.. أفكر في ملايين غيرها كل يوم.. أفكر في الأطفال وفي الرجال أيضاً ممن يتعرضون لمثل هذا وإن اختلفت الأعداد.. أقول هي أجساد فانية، علينا أن نعلمهم بأنها أجساد فانية.. وأن الخزي والعار للمعتدي لا للضحية..

علينا أن نقاوم البهيمية بشيء من الملائكية.. علينا أن نتحدث عن روعة الروح وبهاء العقل وسحر الكلمات.. علينا أن نربي رجالاً ونساءً ينظرون إلى المرآة فيكون أول ما يرونه إنسانيتهم.