رسالة إلى ملك الجليل!

blog روايات

في نصه الجميل "قناديل ملك الجليل" أوقعنا إبراهيم نصرالله في هوى ظاهر العمر، حتى كدنا نحمل قناديله ونطوف بها في الطرقات هاتفين له، ووددنا لو كنّا هناك فندافع عنه وعن مملكته. لكن التاريخ الذي اتخذته الرواية مسرحاً لأحداثها إشكاليٌ منذ بدء تدوينه، وأشكل ما فيه رواية أحداث الماضي بوعي الحاضر وأحلام المستقبل. 

نجح إبراهيم نصر الله في تحويل ملامح التاريخ القاسية وتضاريس الجغرافية الوعرة إلى لوحةٍ رومانسيةٍ وطنيةٍ بديعة، تودّ لو أتيحت لك الفرصة فتكون جزءاً من تفاصيلها، لكن التاريخ إذا رُويَ فقد عذريته.

فالزمن الذي تجري فيه أحداث رواية "قناديل ملك الجليل" هو القرن الثامن عشر وليس القرن العشرين أو الواحد والعشرين، والقيم الأخلاقية والسياسة في ذلك القرن كانت لاتزال تحمل بعض نضارتها، ولم يتحول المسلمين فيها بعد إلى عربٍ وترك، بل لم يتحول العرب فيها إلى قبائل جديدةٍ أعاد توزيعها وتتويجها ورسم حدود مضاربها وزير خارجية بريطانيا أو فرنسا.
 

شيخنا ظاهر العمر هو جزءٌ من سلسلةٍ من الولاة حاولت بناء أمجادٍ شخصية بالتواطىء مع قوى خارجية سعت لتفتيت الإمبراطورية العثمانية، وفصل العروبة عن الإسلام.

فالنص اعتبر أن الأرض التي أقام عليه ظاهر العمر مملكته هي ما يمكن أن نسميه اليوم فلسطين حسب تقسيمات سايكس وبيكو، متماشياً مع المفاهيم التي رسختها نتائج نكسة حزيران التي حولت فلسطين من قضية عربية (بعد أن فقدت سابقاً بعدها الإسلامي) إلى قضية الشعب الفلسطيني.

لكن الواقع يقول أن نابلس كانت جزءً من ولاية (محافظة) دمشق، أمّا مدن الساحل يافا، حيفا، وعكا كانت جزءاً جزء من ولاية صيدا، أي أن فلسطيننا من البحر إلى النهر كانت لا تزال جزءً من بلاد الشام، أما شيخنا ظاهر العمر فقد كان يتولّى ما يمنحه والي دمشق ووالي صيدا من إقطاعياتٍ يجبي ضرائبها.

وكانت الأمور تسير كالسمن على عسل بين الولاة والشيخ الذي كان يسدد ما عليه في مواعيده المحددة، ويزيد على ذلك من الهدايا (الرشاوي) وخاصةً أن الشيخ كان يعرف كيف يرضي الولاة للحفاظ على وظيفته في جباية الضرائب من الرعايا الذين تحت حكمه أو للبحث عن رعايا جددٍ يتولّى أمر ضرائبهم.

فلم يكن هناك وطنٌ اسمه فلسطين التي نعرفها الآن ولم يكن ظاهر العمر يسعى لأن يؤسس وطناً ويطلق عليه اسم جمهورية فلسطين المستقلة، أو فلسطين الديمقراطية أو الشعبية أو فلسطين العربية الديمقراطية الشعبية العظمى أو سمّها ما شئت…
فشيخنا ظاهر العمر هو جزءٌ من سلسلةٍ من الولاة حاولت بناء أمجادٍ شخصية بالتواطىء مع قوى خارجية سعت لتفتيت الإمبراطورية العثمانية، وفصل العروبة عن الإسلام.

 

ابتداءً من فخر الدين المعني الثاني وتحالفه مع إمارة توسكانا الإيطالية ومحاولته إعادة الحروب الصليبية وليس انتهاءً بمحمد علي باشا وتحالفه مع الفرنسيين مروراً بعلي بك الكبير وبشير الشهابي. هذه المحولات الفاشلة، بالتعاون مع الغرب أو الشرق لتحطيم آخر دولةٍ تمثل الأمة الإسلامية كلها باءت بالفشل إلى أن جاء الإنجاز الذي عملت عليه روسيا وبريطانيا وفرنسا بتفتيت المنطقة العربية وإخضاعها بتعاون الحسين بن علي شريف مكة وثورته "العربية الكبرى".

وأظن أن الأستاذ إبراهيم نصرالله الذي وصف فلسطين بالعربية في مقدمته لا يمانع بأن نصف بيروت بأنها عربية كذلك، بيروت ذاتها التي دمرها الأسطول الروسي بطلب من ظاهر العمر، ولم يكتفي أن دمرها من البحر بل قام باحتلالها، ونهب بيوتها وأسواقها وإفراغ أموال من تبقى من أهلها بعد القصف.
 

لقد سحرتنا الرواية وداعبت أحلامنا بالاستقلال والتحرر، تماماً كما سحرت آباءنا ذات الشعارات البراقة يوماً.

وعندما غادرها لم يتركها بسلام بل حاصرها من البحر فاضطر أهلها إلى أكل القطط والحمير والكلاب. كل ذلك في الفترة التي أصبح فيه ظاهر العمر قوياً، ولكن ليست قوته منبعها رجاله أو مدافعه، ولا روح التحرر والاستقلال لديه، بل لأنّ السلطنة كانت تخوض حرب دفاع ضد الهجوم الروسي عليها من الشمال.

فاستغل ظاهر العمر انشغال السلطنة بهذه الحرب وراسل الروس مقدماً لهم الساحل الشامي مقابل مساعدته على تحطيم الدولة العثمانية، بتحريض من مسؤول ماليته إبراهيم الصباغ الذي كان يعمل لنصرة قناعاته الدينية بتحطيم الدولة العثمانية التي كانت تمثل الامة الاسلامية آنذاك. ولكن بطل إبراهيم نصر الله لم يستطع أن يصمد ولا أن يتمرد عندما انتهت الحرب الروسية العثمانية، فحاصره العثمانيون وقضوا عليه، وهو يحاول الهروب للمرة الثانية كما فرّ من عكا أمام محمد أبو الذهب والي مصر.

ويذهب المؤرخ الكبير محمد كرد علي في كتابه خطط الشام إلى أن الشيخ ظاهر العمر كان رجلاً ساذجاً وأنّ إبراهيم الصباغ كان صاحب القرار في حياته وموته ويستشهد على ذلك بأن السلطان العثماني عبد الحميد الأول أصدر عفوا عن الشيخ ظاهر مقابل أن يسدد ضرائب السبع سنوات التي تمرد فيه الشيخ على السلطنة أثناء الحرب الروسية العثمانية، ولكن الشيخ انصاع لرغبة ابراهيم الصباغ الشحيح برفض العفو وتسديد المبلغ المترتب عليه لخزينة الدولة، علماً بأن المبلغ الذي كان بحوزته من الذهب فقط كان عشرة أمثال المبلغ المطلوب للدول، هذا غير الجواهر والأحجار الكريمة، وظنّ لسذاجته أن مدافعه القليلة ستوقف امبراطورية كانت تمتد على ثلاث قارات.

واخيراً فالتاريخ لم يذكر لنا بأن الضرائب التي كان يجنيها شيخنا ظاهر منّا (أي من رعاياه) توقفت عندما أعلن أنه لن يدفع شيئا للسلطنة، فالشيخ أراد أن يحتفظ بالضرائب لنفسه ويبني فيها مجده، أو لربما اختزنها إبراهيم الصباغ لنفسه، لكن المؤكد أن الضرائب التي كان يجنيها شيخنا ظاهر لم تخفف عن المواطن الذي كان تحت رعاية "ملك الجليل". وإن كان كرد علي أنصف ظاهر العمر بقوله أنه لو أراد لجمع المبلغ ذاته من الضرائب بمدة أقصر.

لقد سحرتنا الرواية وداعبت أحلامنا بالاستقلال والتحرر، تماماً كما سحرت آباءنا ذات الشعارات البراقة يوماً. لكن هل حقاً كان ظاهر العمر يحلم بـ"تحرير الأرض وانتزاع الاستقلال وإقامة الدولة العربية في فلسطين" كما قدم له إبراهيم نصرالله؟