شعار قسم مدونات

انعتاق اللغة

blogs - arav

إن للغة خيطا خفيا رفيعا يربطنا بمآسينا التي تغطي الخريطة يشدنا إلى حضارتنا وتاريخنا وواقعنا وينساب بسخاء ليكشف هويتنا ويفضح انتماءنا في لحظات الخوف والفرح والحزن والفخر هوذات الخيط الذي نحاول تمزيقه لنمسك بغيره فيزداد التفافا حول أعناقنا وهوذات الخيط الذي يلقي بنفسه نحونا حين تخوننا خيوط الآخرين فيسعفنا تشبثنا به.
 

تكلم بالفرنسية
لقد أدهشني مشهد لأم في فضاء تجاري تصفع ابنها الصغير قائلة « Parle en français » أي’ تكلم بالفرنسية’ حين عبر الطفل المسكين عن رغبته في ابتياع حلوى بلغته الأم.

لكنني أتفهم موقف الأم على غرابته، فتصرفها مجرد فعل لاواعي  ينم عن خوف عميق على مستقبل طفل داخل مجتمع يصنف أفراده على أساس لغتهم ولكنتهم تصنيفا سطحيا جائرا يمكن أن يؤثر لاحقا على وظيفته ودخله المادي وعلاقاته ومكانته الاجتماعية.
 

تجريد اللغة العربية من رمزيتها كلغة أم وركن أساس من أركان الهوية العربية هو ما جعلنا نقحمها في رهانات خاسرة منذ البداية

فالمتفرنسون لغويا يصنفون تلقائيا في خانة المثقفين والنخبويين وحتى أبناء الطبقة البورجوازية الذين يلتحقون بالمدارس الخاصة والجامعات الأجنبية  والذين يقضون إجازاتهم في ممارسة الرياضة الشتوية بأوروبا.
 

أما نحن من نمسك بخيط لغتنا ونربي ألسنتنا على إجادة النطق ونتخير من الألفاظ أجملها لنكتب به فنصنف داخل المجتمعات القائمة على  التمظهر والزيف والتنميط في خانة الجهلة  ومحدودي الدخل وبسيطي التفكير الذين لم تسعفهم مكانتهم الاجتماعية ومعدل ذكائهم لتعلم لغة أجنية فركنوا إلى اللغة العربية..تلك اللغة المملة والتي تحرج صاحبها وتنفر علية القوم منه، تلك اللغة التي لا تصلح أن تكون أداة للتبجح الاجتماعي.
 

تساؤلات حول اللغة
لكن تساؤلاتي حول اللغة العربية ومكانتها وأهميتها في المجتمعات العربية بدأت قبل مشهد الأم التي تصفع ابنها بكثير..
 

كنا تلاميذ في آخر فصول الثانوية والذي نسميه  في تونس  بكالوريا، كانت حصة اللغة العربية قد أدرجت قسرا من قبل الوزارة قبل سنة واحدة  لأصحاب الاختصاص العلمي، لكن جل التلاميذ تقبلوا القرار على مضض وأجمعوا على مقاطعة الحصة مدعين أن ضارب مادة العربية في الامتحان النهائي ضعيف ومعلنين أنهم يكرهون هذه المادة اللعينة المملة.
 

 كنت أذهب إلى حصة اللغة العربية بمفردي أحيانا متجاهلة تعنت زملائي وكنت أصم أذني عن استهزائهم لأن بداخلي قناعة راسخة بأن اللغة الأم ليست مجرد ‘مادة ‘ تحدد قيمتها من خلال أهمية ضاربها في الامتحان النهائي.
 

تجريد اللغة الأم

اللغة حالة ذاتية تشبه صاحبها لكل منا قاموسه وما تركن إليه نفسه من مفردات حتى أننا إذا أردنا تقليد أحد السياسيين استنجدنا بالكلمات التي يكررها والجمل التي التصقت بشخصه

ولعل تجريد اللغة العربية من رمزيتها كلغة أم وركن أساس من أركان الهوية العربية هو ما جعلنا نقحمها في رهانات خاسرة منذ البداية، إذ على عكس غيرها  تكتسب اللغة الأم بالتجربة والإحساس وبمعايشة الموقف فنتلقفها بتلقائية وبداهة لتلتصق بجينتنا وتصبح جزءا منا.
 

ويختزل كل لسان تاريخ شعبه وحضارته وعلاقته بالطبيعة والعالم من حوله
لذلك فإن ‘الترجمة خائنة خوانة’ كما يقول ابن خلكان، فهي تقتل ما ضمَنه الكاتب من معاني وخلجات ذاتية لا تستطيع سوى لغته الأم أن تستوعبها، فلسان القوم يشبههم إلى حد لا يكمن تخيله.
 

اللغة.. حالة ذاتية ومزاج
اللغة حالة ذاتية تشبه صاحبها  لكل منا قاموسه وما تركن إليه نفسه من مفردات حتى أننا إذا أردنا تقليد أحد السياسيين استنجدنا بالكلمات التي يكررها والجمل التي التصقت بشخصه، وإذا سمعنا قصيدة حدسنا صاحبها من خلال أسلوبه.
 

 وكما الأفراد للشعوب الناطقين بنفس اللغة مزاجهم الخاص وانتقائيتهم التي يجعل لغتهم أكثر حميمية وتفردا فعربية أهل المشرق مثلا تختلف من حيث المفردات والإيقاع والنطق عن عربية أهل المغرب نحن مثلا في المغرب العربي نسمي موقف السيارات ‘مأوى’ وأهلنا في المشرق يسمونه ‘ملجأ’ أو’موقف’
 

ونحن ننطق حرفي الظاء والضاد بنفس الطريقة على عكس أهلنا المشارقة الذين  يفرق بعضهم بين الحرفين في حين يخلط آخرون  بين الظاء والزاي. 
 

وإذا دققنا النظر في لغة أهل البادية وجدنا عندهم ما يشبه بيئتهم وحياتهم اليومية، ولوأنصتنا إلى أغاني البحارين لوجدنا عندهم أيضا ما يعكس ما عايشوه من مغامرات وما يعرفونه من صور. 
 

وإن كان من الصعب التكلم عن اللغة وباللغة بموضوعية وتجرد فكيف يمكن فصل الفرد عن لغته دون سلخه عن نفسه وواقعه؟

خيار الانسلاخ.. سوي
يزعم كثر في زمن البرغماتية أوالانتهازية التي طالت اللغات  أنهم بهروبهم من اللغة الأم وانسلاخهم عنها يفسحون المجال لأنفسهم لإتقان لسان ثان ذي فائدة، لكن تجربتي الشخصية أكدت لي أن من لا يتقن لغته لن يستطيع – وإن زعم – أن يتقن لغة أخرى لأن تعلم اللغة الأم مدخل لتعلم لغات الآخرين وتذوقها والإنتاج من خلالها كتابة وإلقاء. 
 

فقد تعلمت العربية صغيرة ثم تدرجت في تعلم الفرنسية والانجليزية والإيطالية وأخذت فصولا في الفارسية أيضا ولقد مهد لي حب لغتي طريق تعلم غيرها واكتشاف أسرارها والمقارنة بين قواعدها ومفرداتها، ولعل شهادة  الأستاذ عارف حجاوي التي ضمنها كتيبه ‘حياتي في الإعلام’
 

وهوالمشهود له بإتقانه للغة  الانجليزية مما مكنه أن يعمل مترجما في البي بي سي خير دليل على ما أقول ‘أهم مصدر من مصادر معرفتي باللغة الانجليزية هواهتمامي بلغتي،باللغة العربية فالراسخ في لغته الأم ينطلق إلى غيرها بقلب واثق’
 

يقال أن اللغة تزدهر بازدهار أهلها وفي هذا بعض من الصحة، لكنني أعتقد أن الحفاظ على لسان شعب لا يحتاج إلى دولة قوية بقدر ما يحتاج إلى عزيمة قوية وفهم صحيح لمركزية اللغة الأم وثقلها

الانتماء قدر
ربما كشفت الأسطر السابقة أنني لست من دعاة التقوقع والانغلاق ولا من أولئك الذين ينكرون على الناس تعلم اللغات الأجنبية ويجرمون المعرفة وحب الإطلاع  لكنني أدعي انه يحق لي التساؤل عن انتماءنا اللغوي.

لأننا لا نختار أوطاننا وآباءنا وأسماءنا وجيناتنا.. كذلك اللغة الأم انتماؤنا إليها قدريٌ بحت لذلك لا أحتاج أن أعرف أن اللغة العربية عميقة واشتقاقية وآسرة ولا إلى تبرير قداستها – وإن حق لي ذلك- لأحبها أولا وأدافع عنها ثانيا.
 

حسبي أنها لغتي وجزء لا يتجزأ من كياني كفرد وهويتنا كأمةن فهل نحن منتمون إلى لغتنا العربية وبالتالي إلى أنفسنا أم لا؟
ولعلَ الإجابة على سؤالي لا تحتاج إلى بحث فهي معلقة على واجهات محلاتنا ومنشورة على صفحات التواصل الاجتماعي،  مضمَنة في أناشيد أطفالنا ومقرراتهم المدرسية.
 

اللغة المقاومة
يقال أن اللغة تزدهر بازدهار أهلها وفي هذا بعض من الصحة، لكنني أعتقد أن الحفاظ على لسان شعب لا يحتاج إلى دولة قوية بقدر ما يحتاج إلى عزيمة قوية وفهم صحيح لمركزية  اللغة الأم وثقلها، فاليهود مثلا حافظوا على لغتهم العبرية خلال سنوات الشتات وتناقلوها بينهم وأورثوها أبناءهم حتى أنقذوها من خطر التلف فقامت الدولة الصهيونية على أرض فلسطين لتحولت اللغة العبرية من لغة شبه ميتة إلى لغة حية، جاء هذا تتويجا لجهود السابقين ولا نستطيع لذلك أن نثقول أن اسرائيل كدولة أنقذت اللغة وإنما اليهود كشعب يدرك سر اللغة الأم وخيطها الخفي هومن أنقذ العبرية.
 

وقد استشف أجدادنا عمق اللغة ومركزيتها زمن الاستعمار الفرنسي وفهموا أن المستعمر يتقصَد إبادة اللغة العربية من خلال فرنسة الإدارة والتعليم، فعمدوا إلى إنشاء  الكتابيب  ومدارس التعليم الديني لصد الهجمة على العربية وتكوين جيل من الشباب المنتمي إلى لغته الأم هكذا تحولت اللغة  إلى سلاح لمقاومة الاحتلال والحفاظ على ثبات الأمة وتمسكها بهويتها ليرحل الاستعمار بعد زمن وتخلَد أشعار زكريا مفدى وأبوالقاسم الشابي.
 

انفصام أم ازدواجية؟
ربما ذهبت محاولات اجتثاث اللغة العربية من جذورها مع ذهاب الاستعمار إلى غير رجعة لكن ‘ازدواجية اللغة’  زحفت نحونا، منذ  عقود لتشكل استعمارا لغويا جديدا وناعما.
 

وأظن أنه يحق لي التساؤل عن جدوى ‘ازدواجية اللغة الأمارة’ كما يصفها الباحث التونسي’ أحمد الذوادي’ وإلى متى سنعتبر أنه من واجبنا حمل ارث لغة المستعمر القديم، التي فقدت مكانتها بسبب انحصار دور فرنسا كقوة اقتصادية وسياسية مقابل ظهور قوى عالمية جديدة؟
 

قد يبدومطلب إلغاء اللغة الفرنسية من المنهج الدراسي أوتحويلها إلى لغة ثالثة مقابل تحويل الإنكليزية إلى لغة ثانية وتعريب الإدارة بالكامل مخيفا ليس لفرنسا أوالحكومات المغاربية فحسب وإنما لنا نحن كأفراد أيضا، إذ يجب أن لا ننسى العامل النفسي الذي يلعب دورا في جعل المواطن العربي يتمسك بلغة مستعمره القديم على قاعدة ‘ المغلوب مولع   أبدا بالاقتداء بالغالب’ لابن خلدون بل قد تجده أحيانا أكثر اندفاعا واستماتة في الدفاع عن لغة ‘الخواجة’ فالمقلِد يكون أشد تطرفا من المقلَد!
 

وليس من الخفي أن ازدواجية اللسان يفقد اللغة الأم قداستها وسموها ويساويها بلغة دخيلة، ‘فيدخل على اللغتين بعض الضيم’ كما يقول الجاحظ، أوربما الكثير من الضيم كما يبدو.
 

انعتاق اللغة

انعتاق اللغة العربية الأكبر يبقى رهين قرار سياسي شجاع يقضي بإنهاء عهد ازدواجية اللغة

إن استرجاع  اللغة العربية مكانتها المركزية كلغة أم ومكون أساس من مكونات الهوية يأتي بدءا عبر استرداد ثقة العربي بنفسه وتصالحه مع ذاته وتحريره من عقدة الخواجة التي تكبله منذ قرون وتجعله في تبعية عمياء متطرفة لكل ما هو أجنبي.

ثم إن معالجة الفقر اللغوي الذي ترزح تحته مجتمعاتنا نظرا لانعدام ثقافة المطالعة وتواضع أعداد المنشورات والكتب القيمة سيعود بالنفع الكبير على اللغة العربية ويساهم في تطويرها، فاللغات إجمالا تعيش حالة تطور دائم وجب علينا مواكبتها من خلال حركات الترجمة والتعديل المستمر للمعجم العربي، ذلك أن اللغة التي لا تتطور تموت.
 

وقد ابتلينا بمن يحبون اللغة العربية ويدافعون عنها لكنهم يضرونها وينفرون العامة منها من خلال إصرارهم على إتباع المنهاج القديم في الكتابة واستعمال المقعَر والمسجوع والغريب من اللفظ، في حين أن الواقع يتطلب تبسيط اللغة تقريبها للمتلقي، حتى يشعر أن تشبهه فيستسيغها ويقبل عليها.
 

أما المطمئنون على أن اللغة العربية باقية لأنها تستمد قداستها من القرآن  فأذكرهم أن اللاتينية وان كانت لغة الإنجيل فهي اليوم لغة ميتة ويقتصر استعمالها على قراءة الإنجيل في الكنائس.
 

لكن انعتاق اللغة العربية الأكبر  يبقى رهين قرار سياسي شجاع يقضي بإنهاء عهد ازدواجية اللغة، أما ونحن نعيش زمن الشعوب الشجاعة والقرارات السياسية الجبانة فنحتاج إلى تحركات  شعبية شعارها ‘خبز،هوية،حرية… كرامة وطنية’ تجوب الخريطة المغطاة بمآسينا لترتقها بخيط اللغة الخفي.