شعار قسم مدونات

العلمبرياليَّة.. الانفتاح غرباً

blog علنم تركيا

يقرِّر نائب كويتي شهير، وهو صاحب نزعة إسلامويَّة حديثة، السفر إلى تركيا، حيث سيكون مع موعد لإلقاء كلمة في محفلٍ شعبي جامع على إثر الانقلاب الفاشل في الخامس عشر من يوليو الماضي.

يقف منتصب الهامة، وبكامل كبرياء وحضور وصوت جهور ليقول: أنتم أيها الشعب العظيم، استطعتهم أن توقفوا كيد العلما.. ليحجم مباشرة.. ويقرِّر الانعطاف سريعاً ناحية مصطلحٍ بديل: كيد الامبريالية العالمية! لكنَّ المترجم التركي كان كريماً فقد أنقذه من ورطته بترجمة الثانية دون الأولى، إلا أن منصات التواصل الاجتماعي لم تنم ليلتها.

سيقرِّر إذاً، هذا النائب صاحب التوجّه المعروف، أن يبدِّل مصطلحاً سياسياً معرفياً بآخر تماماً، ليس ضمن الحقل ولا حتى السياق، لقد فعل ليس كما لو أن قطاراً قرَّر فجأة الانحراف إلى مسار آخر، بل كما لو أنه قرَّر الغوص؛ فلم تكن العلمانية يوماً رديفاً لـ"الامبريالية العالمية"، كما أن "الامبريالية العالمية" لم تكن خلف محاولة الانقلاب الفاشلة بحسب الحكومة التركية نفسها، إذا ما اعتبرنا أن أمريكا والحلفاء هم المعنيّون بهذا المصطلح، لكنه تغيُّر الخطاب كلما اتجه هؤلاء غرباً.

الخصم القديم للشعوب في العالم العربي هي الأنظمة العسكرية الرجعية بلا شك، وهنا فكلّ من تعاطف معها من المثقفين هو سكرتير يعمل لصالح هذه الأنظمة، سواءٌ أكان علمانياً أم إسلاميا

إنه مشهد من الكوميديا السوداء يحدث كل مرة مع تبديل الجلود دون التخلّص من الآثار، فهم يستطيعون بكل سلاسة أن يتأقلموا مع أي مكان يضعهم القدر فيه، وأن يتحلَّوا بالتسامح والعفوية وأن يتخلَّوا عن كل الأدبيات التي طالما أظهروا التمسّك بها، إنها "شروط المرحلة"، طالما أن ذلك سيكسبهم مزيداً من الشعبية، دون أن يحدث ذلك في أنفسهم أيَّ حرج!

لقد كان العلمانيون في تركيا أول من رفض الانقلاب ووقف في وجهه منذ الساعة الأولى، لم يقدِّموا أيَّ رهانٍ على ذلك التمرد العسكري الآثم؛ بل قرَّروا الخروج في المظاهرات التي دعا لها أردوغان نفسه، الخصم اللَّدود لهم. ردَّد هؤلاء في الثانية صباحاً الهتافات كما الجميع، فلم يكن نصب أعينهم أردوغان، بل الإرادة الشعبية المتمثّلة في الرئيس المنتخب، الدولة التركية، والقانون والمؤسسات والمكتسبات الديمقراطية التي أنجزت مع الجمهورية، لقد كان وعيهم أصلياً، أما صاحبنا فقد أتى بعقده وعقد الساسة في العالم العربي معه ليبشِّر بها تركيا والعالم.

إن الخصم القديم للشعوب في العالم العربي هي الأنظمة العسكرية الرجعية بلا شك، وهنا فكلّ من تعاطف معها من المثقفين هو سكرتير يعمل لصالح هذه الأنظمة، سواءٌ كان علمانياً أم إسلامي. إن حزب النور الذي يقف اليوم مع عبد الفتاح السيسي ويدعمه منذ اللحظة الأولى هو حزب سلفي إسلامي، وإن الجماعة التي يتّهمها أردوغان اليوم بالوقوف خلف الانقلاب الفاشل هي جماعة إسلامية كذلك، ولقد عاش الناس في السودان برهةً من الزمن تحت نظام مدني حتى أتى إسلاميٌ آخر بنظامٍ عسكري آخر. إنها نُظُم بأكملها تحتاج جيلاً حتى تخرج من الكُوَّة التي علقوا وسطها، بين الهرب من الديمقراطية والهرب إليها.
 

إن أسوأ ما يمكن أن يحصل لنا كعرب أن يمثِّلنا هؤلاء الذين لا يفهمون إلا لغة المُدرَّجات لدى تركيا والدول الإقليمية، كما أنه أسوأ من النقيض الذي وقف مع الانقلاب منذ اللحظة الأولى أيضاً؛ لأن هذا الأخير لا يخفي شيئاً ويجاهر به صراحة، فهو مع الثورات المضادة، ومع الانقلاب في مصر، ثم هو من الطبيعي أن يكون مع الانقلاب في تركيا، لأنه قد قرَّر منذ اللحظة الأولى أنه لن يحترم الديمقراطية، أما فريق المُدرَّجات فهو يستمر في ادعاءات إيمانه بالديمقراطية كأسلوب حكم، لكنه لا ينتهج سلوكاً ديمقراطياً، وهنا يقرِّر الانصهار في قالب الشخوص والزعامات، وأنه مع الديمقراطية طالما أنها ستخدمه، فهو بذلك أيضاً لا يحترم الديمقراطية.

الأتراك لهم امتداد طويل إلى العهد الأول من الجمهورية والذي قام على التضحيات والدماء، ثم لديهم اعتزاز كبير بالزعيم الأول أتاتورك

لقد حاول هؤلاء "قَوْلبة" خصومهم الفكريين في قالبٍ واحد حتى يسهل التخلّص منهم، فأقدموا بنغمة مكرورة نشاز على وصف "كل العلمانيين" بأنهم مع الانقلابات؛ في محاولة ليظهروا هم كحماة بررة للديمقراطية، بالضبط كما يقوم بعض خصوم الإسلاميين من العلمانيين كذلك بوصف كل الأحزاب والجماعات الإسلامية بأنها "إرهابية"، ورغم سذاجة هذا الأسلوب من المناكفات وبساطته إلا أنها حيلةٌ انطلت على كثيرين، لكنها لم تنطلي على الساسة الأتراك الذين خَبَروا هؤلاء وعرفوا كيف يفكّرون، واستخدموهم.
 

فهاهو رئيس الوزراء يلدريم نفسه يزور متحف أتاتورك بعد محاولة الانقلاب ويقول بوضوح "سنصل لمستوى المدنيات المعاصرة التي أشار إليها مصطفى كمال أتاتورك". ثم هي لا تنطلي على الشعب نفسه؛ فالأتراك لهم امتداد طويل إلى العهد الأول من الجمهورية، والذي قام على التضحيات والدماء، ثم لديهم اعتزاز كبير بالزعيم الأول أتاتورك، المنقذ لتركيا من التقسيم أثناء احتضار "رجل أوروبا العجوز" في حرب طويلة بدت غير متكافئة، كانت كفة الخسارة فيها راجحة على الانتصار، حتى معركة "دملوبينار" الشهيرة التي أعادت الأنفاس. أتاتورك زعيم نهائي في الداخل التركي.

إن هذه السلوكيات تعكس حالة مزرية من الانهزامية والانتهازية وغياب المبادئ لدى هؤلاء، ثم إذا هم عادوا شرقاً إلى بلادهم تبخَّرت كل مظاهر التسامح تلك، وعادوا إلى عادتهم القديمة في المزايدة ونبذ المرأة والتحريض وضرب الخصوم على المنابر وبرامج التلفزيون ومواقع التواصل والمكاتب المغلقة والحلقات الضيِّقة، مستغلِّين ثقة الناس وعاطفتهم أمام كل دعوة تبدو ذات صبغةٍ دينية، وهنا يقعون، ككل مرة، ضحية لهذه الصّبغ والمظاهر. والتاريخ شاهد.