شعار قسم مدونات

الطريق إلى الرشد في السودان

blog السودان

بناء الفكر السياسي نحو التغيير للأفضل عن طريق إثراء الساحة بالجدال حول مستقبل مشترك؛ مهم لبناء أي مجتمع متحضر، لكن الاعتماد عليه فقط قد يحول المجتمع إلى مستوى من التنظير والجدال يشابه إلى حد ما الذي حصل في روما لما كثر فيها الجدال حتى سقطت روما فوق رؤوس أصحابها وهم يتجادلون. 

قد لا يكون التنظير سببا وحيدا للسقوط ولكن تضافرت معه عوامل أخرى ساهمت في الأفول، غير أن كثرة الجدال يظل أحد الأسباب التي تخلق في المجتمع حالة من السلبية يصعب الفكاك منها. 

والخوف كل الخوف أن يكون مستقبل السودان السياسي بين حكومة يقود حزبها الحاكم الدولة في ظل ظروف معقدة وقيادات عجزت عن إخراج البلاد من وهدة التشرذم والتخلف وبين معارضة تنشغل بوضع الأطر الفكريه لمستقبل قد لا يأتي أصلا.
 

بدون نشاط عملي يترجم حالة الإشفاق على الوطن من حالة كلامية إلى بناء لمؤسسات المجتمع لتقوم بدورها في السودان فلن تتأثر مياه بركة التغيير المنشود ولن يحدث تقدم مؤثر يعصم البلاد من كارثة

كثير من المفكرين السودانيين حاولوا أن يضعوا تصورا للحل، فمثلا د.عبد الله علي إبراهيم المفكر اليساري المعروف والمرشح السابق لرئاسة الجمهورية سعى وحاول تأسيس أطر رشيده في التعامل مع الأخر المعارض وبدأ نقدا ذاتيا للحركة السياسية بشكل عام محاولا أن يشعل طريقا وسطا يتفق فيه الجميع على ثوابت وطنية تعترف بالخصم على خلاف الحاله العربيه التي شهدت خصاما شديدا في غالبها بين حركة اليسار والجماعات الإسلامية. 

وفي خضم تلك المحاولات التي شهدتها الساحة ظهرت مبادرة الصحفي عثمان ميرغني صاحب جريدة التيار، والتي أسماها مبادرة الحل الرشيد وشملت تصورا لتقسيم السلطة يراعي تشبت الحاكمين ورغبة المعارضين في المشاركة، وبالرغم من منطقيتها وواقعيتها في بعض النقاط إلا أن الفعاليات السياسية لم تعطها حقها بما يكفي في النقد والتصويب ما عدى أراء متفرقة هنا وهناك أما الطرفين الحاكم والمعارض فلم يناقشاها أصلا. 
 

كل المحاولات السابقة قدمت أثرا بسيطا في الساحة ولكن بدون نشاط عملي يترجم حالة الإشفاق على الوطن من حالة كلامية وجدلية إلى بناء لمؤسسات المجتمع المدني لتقوم بدورها الحقوقي في الساحة السودانية فلن تتأثر مياه بركة التغيير المنشود بحجر من النظريات الإصلاحية، ولن يحدث تقدم مؤثر يعصم البلاد من كارثة إن حلت بها فلا يفيد ساعتها الندم.

الطريق قد يبدوا طويلا ولكن في تقديري أنه أسلم الطرق لتفادي الأزمات التي عانت منها بعض دول المنطقة نتيجة لإنسداد الأفق في عصر الفوضى الخلاقة كما يحلوا لبعض الدوائر الغربية تسميتها.

حركات الاحتجاج المدنية الرشيدة تعرف كيف تدير الصراع السياسي بدون أن تفقد الوطن، وتعرف تماما كيف تختار الوسيلة المناسبة في الوقت المناسب

إن حركات الإحتجاج المدنية الرشيدة تعرف كيف تدير الصراع السياسي بدون أن تفقد الوطن، وتعرف تماما كيف تختار الوسيلة المناسبة في الوقت المناسب وتتجنب العنف جملة وتفصيلا وتستنفذ كافة فرص الحرية المتاحه في كفاح سلمي تتراص حوله غالب الطوائف والجماعات الوطنية التي تعيش في ظل الوطن.

حاول أحد المهووسين في عهد مارتن لوثر كنج المناضل الأمريكي من أجل حقوق السود أن يقود الجمع الغفير حول البطل لحركة مسلحه تستهدف البيض مستمسكا بعدالة القضية التي يلتف حولها كثير من المظلومين ولولا الرفض الحاسم من لوثر وتمسكه بالإحتجاج المدني كخيار وحيد لما نال الزنوج شيئا من حقوقهم حتى اليوم ولإمتلأت الساحات بدمائهم كمتمردين على النظام ولإنتهت القصة قبل أن تبدأ.

إن حركات المعارضة السياسية مالم تستغل مساحات الحريه المتاحة، وتعمل على ملء فراغ الفشل الحكومي بحلول ورؤيه مكتوبه – كما تفعل حكومات الظل- لن تنال ثقه الشعب، ومالم تقدم بعض التضحيات المدنيه كفاحا قانونيا في أروقة المحاكم وأضابير السجون وتضرب مثلا في التمسك بالإحتجاج السلمي لن تحرز تقدما لمستقبل نرجوا جميعا أن يكون مشرقا.