شعار قسم مدونات

التطبيع.. بين الشرق والغرب

blogs فلسطين
منذ نحو أسبوع استيقظ العالم على خبر وفاة العالم الكيميائي المصري أحمد زويل. وما لبث الناس أن انقسموا حوله بين من يترحم عليه ويبكي وداع قامة علمية عربية كبيرة، وبين لاعن شاتم له داع عليه بالخلود في نار جهنم. لن يخوض هذا المقال في مصير الرجل في دار الآخرة، فالرجل أفضى إلى ما قدم الآن وأمره بين يدي ربه.

 

لكن ما يهمنا هنا هو مواقف الرجل السياسية والأخلاقية تجاه القضايا الإنسانية، وخصوصا قضايا بلده وأمته كونه أحد أبنائها. ولعل أفضل ما كُتب عن أحمد زويل هو ما كتبه المفكر المصري جلال أمين في كتابه (شخصيات لها تاريخ) والصادر من دار الشروق عام 2007. ولا ينفي هذا بطبيعة الحال اختلافنا التام مع موقف الدكتور جلال أمين من الوضع السياسي الحالي في مصر والمتمثل في انقلاب الثلاثين من يوليو عام 2013 وتوابعه. لكن قبل المتابعة، سأتوقف لأروي لكم موقفا مدهشا حصل معي في ألمانيا.

بينما نسمع عن ازدهار حملة المقاطعة العالمية BDS بشكل واضح في الغرب في الآونة الأخيرة، نجد في المقابل شرائح واسعة من أبناء جلدتنا لا يكترثون

خلال دراستي للماجستير في ألمانيا، ذهبنا نحن طلاب برنامج الإراسموس موندوس للدراسات العالمية Erasmus Mundus Global Studies في رحلة قصيرة إلى مدينة فايمار عاصمة ولاية ثورنجيا الألمانية. وفايمار هذه أشبه ما تكون بمتحف على هيئة مدينة صغيرة. أحببتها، لا بل عشقتها، وهي مدينة اثنين من أكبر أعلام الأدب الألماني، يوهان فون غوته و فريدريك شيلر. وقد ذهبنا في رحلة إلى فايمار لحضور محاضرة كان سيلقيها أستاذنا هناك. 

عندما دخلنا قاعة المحاضرة واتخذنا مقاعدنا، كان من بين الحضور رجل أمريكيّ كبيرٌ في السن. عبّر هذا الرجل عن دهشته من قلة عدد الألمان في القاعة، حيث كان أكثر الحضور من جنسيّات مختلفة. وراح يسألنا عن جنسياتنا واحدا تلو الآخر، فمنهم من أجاب بأنه من الصين، ومنهم من قال أنه بريطاني، وفتاة أجابت بأنها من أوكرانيا، وهكذا.
 

وعندما جاء دوري، كانت المفاجأة حينما أجبت بشكل عفويٍّ أنني فلسطيني أردني. حينها قال هذا الأمريكي المسنّ كلمة ما زال جسدي يرتعش كلما تذكرتها. حيث قال "أوه، فلسطين! أتعرف يا بني؟ لقد اخذتُ قسما على نفسي بألا تطأ قدمي أرض إسرائيل طالما لا تزال تمارس سياسة التطهير العرقي والمعاملة الوحشية مع الشعب الفلسطينيّ!" ومازال يكررها مرارا وبصوت عالٍ أمام الجميع حتى كِدتُّ أن أهُمَّ بتقبيل رأسه شكرا له!

هناك ظاهرة غريبة باتت تتنتشر اليوم حول القضية الفلسطينية وعدالتها وأهميتها الإنسانية بين تزايد الوعي حولها في الغرب شيئا فشيئا، وبين اللامبلاة الغريبة التي باتت نتنشر عند أطياف واسعة من العرب.

فبينما نسمع مثلا عن ازدهار حملة المقاطعة العالمية BDS بشكل واضح في الغرب في الآونة الأخيرة، نجد في المقابل شرائح واسعة من أبناء جلدتنا لا يكترثون، عن وعي أو عن غير وعي، لخطورة التطبيع مع الكيان الصهيوني. بل إن عددا متزايدا من الأكادميين والنخب الثقافية الغربية بدأوا في المناداة لمقاطعة إسرائيل أكاديميا وثقافيا اعتراضا على جرائمها وسياساتها العنصرية ضد العرب من بينهم أكاديميون من داخل إسرائيل نفسها!

ومنذ أيام كانت هناك مباراة لكرة القدم بين فريق سكوتلندي وآخر إسرائيلي ضمن التصفيات لكأس أمم أوروبا. وقد ملأت صور جماهير المشجعين السكوتلنديين الشبكة العنكبوتية كلها وهو يرفعون العلم الفلسطيني وتصدح حناجرهم بهتافات التعاطف مع معاناة الفلسطينيين على يد الكيان الذي يمثله ضيفهم الخصم.
 

كما لا نحتاج للتفصيل كثيرا في عدد النخب الثقافية في بلاد الغرب الذين يبدون تعاطفهم مع الشعب الفلسطيني ورفضهم للانتهاكات والعدوان الذي يحصل في حقه، لا بل والعلماء والمثقفين الإسرائيليين الذين يناشدون زملاءهم حول العالم بمقاطعة بلدهم أكاديميا احتجاجا على ممارساتها تجاه الفلسطينيين. هذا على الرغم من التهديدات التي يواجهها الفريق بالتغريم أو الإغلاق الجزئي من قبل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.

فلسطين لا تعيش في حيّز معزول عن محيطها وواقعها. وعليه، فإن مصير فلسطين مرهونٌ ولا شك بمصير سوريا ومصر والعراق واليمن وليبيا وكافة الشعوب العربية.

في المقابل، نلاحظ اليوم مشكلة كبيرة بدأ تتضح معالمها في عالمنا العربي تجاه تعريف مفهوم الولاء للقضية الفلسطين ومعنى التطبيع وخطورته وما الفعل الذي يندرج تحت تعريف التطبيع وما الذي لا يندرج.

فظهرت أمامنا تساؤلات من قبيل "هل الموافقة على لعب رياضي عربي أمام خصم إسرائيلي يعد تطبيعا؟"، وماذا عن رفضه مصافحته بعد هزيمته أمامه؟ ثم ماذا عن موقف العالم الراحل أحمد زويل من الكيان الصهيوني واستلامه لتلك الجائزة العلمية المرموقة منه من دون أي يحاول حتى أن يذكر اسم فلسطين في خطابه الذي ألقاه في الكنيست آنذاك؟

ما السر إذن وراء هذه المفارقة العجيبة بين تزايد التعاطف الغربي مع القضية الفلسطينية في مقابل انصار شريحة ملحوظة من العرب عنها؟ هل لما حدث ويحدث من ويلات ما بعد الربيع العربي يد في هذا؟

طبعا لا ينبغي أن يُفهم من هذا أن هدف هذا المقال هو إلقاء اللوم على ثورات الربيع العربي!بل على العكس تماما. إذ إنه إن كان للقضية الفلسطينية أن تنتصر (وهو ما يؤمن به أي إنسان حرٍّ)، فلن يحصل هذا الانتصار دون حصول باقي شعوب المنطقة على حقوقها في الحرية والكرامة والعدالة. فلسطين لا تعيش في حيّز معزول عن محيطها وواقعها. وعليه، فإن مصير فلسطين مرهونٌ ولا شك بمصير سوريا ومصر والعراق واليمن وليبيا وكافة الشعوب العربية.

على أن هذا الطرح المبدئي لا يمكن اعتباره إجابة أو تحليلا نهائيا للأسباب التي تقف وراء مفارقة التطبيع بين الشرق والغرب المذكورة آنفا. وإنما هدفه المتواضع هو تسليط الضوء عليها وإثارة الحوار حولها.