معطف كبير الحجم

blogs - nawras

نحن الذين لا ترى عيوننا العالم إلا من خلف عدسات طبية؛ لدينا معاييرنا الخاصة لمواجهة الشاشات، صغيرها وكبيرها. نحن لا نأبه مثلاً بالمعايير التقليدية لاقتناص معقدٍ في السينما، لا نريد ذاك الجانبيّ الذي يتيح الفرار بسهولة، ولا الأمامي الذي يدمجك مع المشهد، ولا الخلفيّ الذي يمنحك مساحة خارج تغطية الجمهور.

نحن نبحث عن المقعد الذي يسمح لنا بتواصل بصريّ مستقيم، دون أيّ انحرافٍ بأيّ اتجاه أفقيّ أو عموديّ، فمخالفة ذلك يتبعها صداع مثير للغثيان.
 

حين دخلت مسرح إسعاد الطفولة لمشاهدة فيلم "معطف كبير الحجم"، بدعوة من نادي زدني الثقافي، كانت هذه القاعدة تحتلّ رأسي. ما أن بدأت بالتسلل تدريجياً إلى المقعد المنشود، حتى صعقتني إحدى المنظمات بالقول: تفضّل دكتور بلال، هذا مقعدك، محجوزٌ هنا مع ضيوف الشرف، وأشارت إلى ذاك المقعد المزروع في قعر المسرح.

لا أعلم إن كان عقل الإنسان قادراً على التركيز فيما يشاهد وفتح بوابة الذاكرة لتلقي عليه مشاهد شبيهة في آنٍ واحد، لكنّ هذا ما أظنّه قد تمّ

شكرتها وجلست. الشاشة تعلونا أمتارا، وبدأت معاناة اختيار الزاوية الأفضل للرؤية والأسوأ لفقرات العنق، فالنّظر إلى الأعلى لا يتطلب تحريك البؤبؤ كما يظنّ معظمكم، لا بدّ للرأس كاملاً أن يدور. ما زاد الطين بلّة، أنّي كنت مضطراً لضبط الرؤية كلّ دقيقتين، فمن احتلّ المقعد خلفي بدا وكأنّه يعاني مثلي من "متلازمة القدم القلقة"، وقد حوّل مقعدي إلى كرسيّ هزّاز.

حسناً، مقعد شرفٍ هزّاز، وفيلمٌ جديد، ونقاشٌ مع مخرجه نورس أبو صالح سيتبعه. لا بدّ إذا من تسجيل الانتقادات، هذه هوايتي أيضاً. بدأ العرض وبدأت تدوين الملاحظات على دفتري المهترئ. دوّنت نقدي لتصوير معاملة السلطات العربية في الفيلم على أنّها جيّدة للفلسطيني حين قورنت بشكل غير مباشر بالمعاملة الإسرائيلية على الحدود.

ثم تابعت أدوّن ملاحظاتي حول إظهار معظم البيوت الفلسطينية بنوافذ من "ألمينيوم"، والحقيقة أنّ معظم نوافذ بيوتنا وأبوابها في الثمانينات كانت من الحديد رديء الجودة. ثم كتبت عن نظّارات الدكتور أبو سامي، فهي بشكلٍ يخالف الموضة التي كانت سائدة حينها.

بقيت على ذا الحال إلى أن انتشلني سامي الطفل من وحل الناقد، فما أنّ أطاح ببقجة ملابسه أرضاً وأخذ يجمع منها ما طابق ألوان العلم أو ما اقترب منها، حتى أعادني إلى حيث يجب أن أكون، أعادني فلسطينيّاً يرى حياته منذ نعومة الأظفار حتى نبت الشيب في لحيته على تلك الشاشة المعلّقة. كان علم سامي ذو الجزء "التركوازيّ"، أو هكذا أوصلته لي نظّارتي، كقميص يوسف، ما أن ألقاه في وجهي، حتى عدت بصيرا.

لا أعلم إن كان عقل الإنسان قادراً على التركيز فيما يشاهد، وفتح بوابة الذاكرة لتلقي عليه مشاهد شبيهة في آنٍ واحد. لكنّ هذا ما أظنّه قد تمّ، فقد انسابت مع الدمع حكايتي الأولى مع العَلم، عدت لأرى نفسي طفلاً يتوسّل إلى ملثّمٍ مرّ بباب بيته كي يعطيه عَلم، وعدت لألمس يد ذاك الملثّم حين قبض على يدي وشدّني باتّجاه "السنسلة" المقابلة، ودسّ العلم في حجارتها، وقال: تذكّر مكانه جيّداً، هذا لك، ولا تخبر أحداً عنه.

لكنّي لم أكن كتوماً كبطلنا سامي، إذ لم يفشِ سرّه لصبيّة الحيّ. أخذت أتباها به، وآتي بالأصدقاء فرداً فرداً لأطلعهم عليه متعالياً عليهم برجولة حامل العلم. إلى أن اختفى بعد أيّام، فقد كان للعلم آنذاك سحراً لا يقوى الصبية على مقاومته.

بكيت للمرّة الثانية على علمي، الأولى حين فقدته كرايةٍ من قماش، أمّا الثانية وخلال الفيلم؛ لأنّنا فقدناه كرمزٍ مرعبٍ للاحتلال، فقدناه حين وضع مُكرهاً إلى جانب علم الاحتلال على طاولة المفاوضات. نجح سامي ونورس – وكلاهما واحد- في أن يدفعنا للمقارنة، بين ما كنّا عليه وما صرنا إليه.

نجح في أن ينتجنا على شاشة كبيرة، دون أن يشوّهنا أو يجمّلنا. أظهرنا كما نحن، ماضياً وحاضراً، نصرخ في وجه الاحتلال بكلّ ما أوتينا من قوّة وحقّ، ونخشى رصاصاته وغدره بفطرة سليمة وإنسانيّة حيّة. نجح في أن يدمجنا فيما صنع إلى حدٍّ وصل احتفالنا بسامي حين وصلنا خبر نجاحه في التوجيهي، وذو "القدم القلقة" من خلفي، كان على استعدادٍ أن يضرم النيران في مقعدي لا أن يهزّه فقط حين تحرّكت مظاهرة قرية بيت ليد ضد الوجود الاستيطاني.

نورس الذي أتى بنا من الشتات إلى الوطن، وأعاد للعَلم هيبته ورمزيته في قلوبنا، وضمّد جراحنا، ودخل بنا إلى القدس رغم أنف الاحتلال

رغم أنّي توقفت عن تسجيل انتقاداتي لفيلمه، إلّا أنّ نورس لم يبادلني ذات السلوك، فقد تفنّن في نقد ما اقترفته أيدينا، دون توبيخ أو تجريح، لقد وضع أمامنا المرآة فقط. رأينا أنفسنا كمجتمعٍ يعلم عن الخائن فيتجنّبه لا أكثر، يداريه ويضلّله ولا يواجهه، جلّ ما قد يفعله هو ما فعل أبو سامي حين أخبر جاسوس الحارّة بكل لطفٍ وخوف؛ أنّ ابنه أصيب برفسة حمار، لا بحجر "مقليعة" أعدّ خصيصاً لمواجهة الاحتلال.

قفز نورس عن مرحلة نشوء السلطة إلى حيث حطّت قدماه في حرم بيرزيت خلال الانتفاضة الثانية، ولوهلةٍ ظننته يهرب من تلك المرحلة الحرجة المحرجة. لكنّه سرعان ما لخّص تلك السنوات في حوار سامي مع أنور، وأنور هذا هو صديق بطلنا الذي طغى حبّه لسامي على خوفه من الاحتلال. كان أنور جريئاً في تشريح أوسلو، ربّما لأنّه مطمئنُّ لسامي.

نورس أيضاً كان ذكيّاً وربما يراه البعض حذراً حين أعاد لنا أنور في آخر الفيلم كما عهدناه في أوّله، أعاده شابّاً خفيف الظلّ لا يباع ولا يشترى، بعد أن أظهره لنا في ثلثه الثاني كمتعاونٍ مع السلّطة مقابل دراهم معدودة، كي تعتقله فيتسلّمه والده فيرحّله إلى الأردن.

نورس لم يُظهرنا كائناتٍ عجائبية، سامي يحلم بذاته ووطنه ويقاوم عدوّه ويرضخ لوالده، وأنور يساند صديقه ويطاوع والد صديقه ويخاف ويرتبك، وأبو سامي يناضل وييأس. سامي سافر عنوة، وكثرٌ منّا من تدفعهم الدنيا لسفر، لكنّ سامي حمل قضيته معه، وناضل بكل ما أوتيّ من حبّ لفلسطين، وأحبّ تلك الخجولة في جامعته، المبهورة بوطنيته، ورغم أنّه اعترف لها بطريقة مثيرة للشفقة، إلّا أنّ مكوثه في كلّية الهندسة لسنواتٍ قبل أن ينتقل إلى الإعلام يشفع له، ففي الهندسة جفافٌ تفرضه الأرقام والمعدّات.

نورس الذي أتى بنا من الشتات إلى الوطن، وأعاد للعَلم هيبته ورمزيته في قلوبنا، وضمّد جراحنا، ودخل بنا إلى القدس رغم أنف الاحتلال، وغمس معنا خبز الطابون بزيت زيتوننا، يفرض عليّ أن آتي السينما كلّما بدأ فيلم باسمه، ولن آبه حينها بزاوية النظر ولا بذوي الأقدام القلقة، سآتيه ودون دفتري المهترئ، سآتيه لأبكي فأروي ذاكرتي كي أقرّب النّصر، فالهزيمة أوّلها نسيان.